الربيع العربي … وهم

لم يكن مستغربا أن تشغل الكلمة التي ألقاها صاحب السمو الأمير الشيخ صباح الأحمد، في القمة العربية الثامنة والعشرين، والتي انعقدت في المملكة الأردنية، اهتمام معظم الصحف ووسائل الإعلام العربية.. وذلك لأنها لامست وترا حساسا ودقيقا، يتحاشى الكثيرون الحديث عنه بمثل هذا الصدق وذلك الوضوح، اللذين تجليا في كلمة سموه، والتي سمت الأشياء بأسمائها، ووضعت الجميع أمام حقيقة دامغة، يحاول البعض إخفاءها أو على الأقل تجميلها والتخفيف من وقعها، ونعني بها حقيقة أن ما سمي بـ «الربيع العربي»، لا يعدو كونه وهما كبيرا، محصلته ما يراه ويلمسه الجميع حاليا من تمزق وتشرذم وانقسام مدمر، واحتراب أهلي في العديد من الدول العربية.
وكم كانت كلمة سموه دقيقة وواقعية، وهي تؤكد أن «ما يسمى الربيع العربي وهم أطاح بأمن واستقرار أشقاء لنا، وعطل التنمية والبناء لديهم، وامتد بتداعياته السلبية ليشمل اجزاء عدة من وطننا العربي».. فهل يمكن أن يجادل أحد في كارثية التداعيات التي ترتبت على ذلك الربيع المزعوم، والتي حولت دولا راسخة مستقرة، إلى دول مضطربة، تضربها الفوضى والقلاقل، ويسودها انعدام شبه كامل للأمن، وينتشر فيها العنف والإرهاب بكل صورهما وشتى أشكالهما ؟! هذا فضلا بالطبع عما لفتت إليه كلمة صاحب السمو الأمير من تعطيل كبير للتنمية والبناء، وتعويق شديد لحركة التطور المأمولة، والتي كانت بعض تلك الدول قد قطعت فيها شوطا مهما، قبل العام 2011، ولكن جاءت أحداث ما سمي بالربيع العربي، لتقلب كل شيء رأسا على عقب، بحيث بات هم كل دولة من تلك الدول، هو الحفاظ على سيادتها ووحدة أراضيها، وحمايتها من الانقسام والتفتت، أما التنمية والتطور والتحديث، فباتت مصطلحات غائبة وتوارت تماما تحت ركام الفوضى والاضطرابات وضياع الأمن والاستقرار.
من هنا تأتي أهمية ما نبهت إليه كلمة سموه أيضا، من ضرورة البحث عن مسار جديد، يعيد تصحيح الأوضاع العربية، ولا يجعل من المطالبة المستحقة بالديموقراطية وحقوق الإنسان، بابا لنشر الفوضى والانقسامات، والأخطر من ذلك لجلب التدخلات الأجنبية، التي دفعت الشعوب العربية تضحيات غالية للتخلص منها، ولتنعم بالاستقلال الوطني والسيادة على أرضها.
إن الإقرار بهذه الحقائق هو خطوة في طريق إصلاح الأوضاع العربية، التي خربتها تداعيات ما يسمى بالربيع العربي، ومحاولة الوصول إلى «مسار جديد»، يعيد ترميم الانهيارات الكثيرة والخطيرة في البناء العربي، ويقدم الأمل من جديد للأجيال الشابة، في مستقبل أفضل وأروع لدولهم وأمتهم، وللإنسانية كلها.


