المقالات

الرئيس عبدالفتاح السيسي.. حامي الاستثمار وراعيه

أعددت هذا المقال منذ مدة، لكي ينشر بمناسبة احتفالات مصر بثورة يوليو 1952، لكن ظروفي الخاصة في التنقلات، عطّلت إرسال المقال لنشره مع تلك الاحتفالات، وأجدّد الأسف، ومع ذلك يظل المقال مناسباً للنشر، وإن خرج بعد الاحتفالات بثورة 1952، لأن مصر اليوم تعيش في خريطة صاغها الرئيس عبدالفتاح السيسي، والتي جاءت تقاسيمها وخيوطها مختلفة تماماً عن تلك، التي كانت تضخها خلال القرن الماضي، وتتمثل في شعارات وجدانية قومية، تضخم كثيراً حجمها من الاشتياق والتمني للعيش في دنيا تلك الشعارات، وهي في الواقع تعبئة سياسية واجتماعية لكل إمكانات مصر وغيرها من المجتمعات العربية، لاستحضار معاني تلك الشعارات في داخل وجدان كل مواطن، ليعيش عاشقاً لها، ومتبرعاً للعمل على استحضارها والعيش فيها، هذه كانت رسالة ثورة مصر عام 1952 لتأكيد الاستقلال التام، والتخلّص من قبضة الاستعمار، ورسم خريطة حياة جديدة للشعب المصري، لا مكان فيها للاستعمار والنفوذ الأجنبي، ليس في السياسة فقط، وإنما في جميع دروب الحياة. ومن هذا التوجّه جاءت البرامج السياسية والاقتصادية والثقافية التي رسمتها ثورة يوليو، وعاشها الشعب المصري، إلى وفاة الرئيس جمال عبدالناصر عام 1970، لم تكن تلك المفاهيم من أولويات الرئيس السادات، الذي كانت أولوياته التخلّص أو التخفيف من أثقال الاحتلال، وتأجيل الملفات، التي تخص الاقتصاد والتنمية، وكل ما يتعلق بمحتوى المعيشة، إلى فصل جديد مقبل، تميّز عهد الرئيس حسني مبارك باستمرار التهدئة في ظل وضع سياسي ملتزم جداً بخطوط اتفاقية السلام، التي وقعها السادات مع إسرائيل، كما أغلق ملف الاسترشاد بالشعارات الصاخبة، التي ملأت المناخ السياسي لمصر خلال عهد الحكم الناصري، واهتم بتأمين الهدوء لجميع المسارات، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، لكن الأهم في ملف الإنجازات تمثّل في صفاء العلاقات بين مصر وجميع عواصم العرب، ومن دون تطاول أو إملاءات، مع إغلاق آليات التطاول والتهجم الإعلامي، الذي كان نصيب من يختلف مع السياسة الناصرية، كما رافق ذلك التوجّه الهادئ للتواصل مع كل العواصم العربية وغيرها، مع التنفيذ المسؤول لبنود اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل.

منذ سنوات ذهبت إلى القاهرة مع مجموعة من الكويتيين الممثلين للشركات الكويتية، التي لها استثمارات في مصر، واجتمعت المجموعة مع الرئيس عبدالفتاح السيسي، الذي كان يترقب انطباعات الوفد الكويتي حول مناخ الاستثمار في مصر، في ضوء إجراءات التحديث التي دخلت سوق الاستثمار. كان واضحاً من أولويات الرئيس انفتاح وتنشيط السوق المصري بالاستثمارات الخارجية العربية وغيرها، وفق قواعد يلتزمها الجميع، تسهم في انفتاح السوق المصري، وتشترط الاستثمار الأجنبي والعربي النظيف البعيد جداً عن التسييس، والمهتم بأعباء الاستثمار ومتطلباته. ومن هنا بدأت أبواب الاستثمار داخل مصر تتسع مع سياسة الرئيس عبدالفتاح السيسي، التي ورثها عن الرئيس حسني مبارك، لكنه زاد من حيويتها في اتساع الأبواب وتنوع مساراتها وتصعيد حجم التسهيلات لاستقطاب الاستثمار، ولا سيما من دول الخليج. كان التجاوب الخليجي قوياً في عزمه، وكثيفاً في تواجده، حيث جاءت المساهمات من الجميع، تتمثل في حجم الاستثمارات الكويتية، الذي تعدى عشرين مليار دولار، وفي تصاعد مستمر، وتواجد المملكة العربية السعودية بدور أكبر، والتحاق الإمارات في الإسهام الواسع والمتنوع، كما استحضرت دبلوماسية الرئيس عبدالفتاح السيسي للاستثمار الاهتمام الأوروبي، الذي كان متواجداً داخل مصر منذ العهد الملكي، والمتابع لتعرجات الدبلوماسية المصرية منذ نهاية ذلك العهد. والحقيقة أن كبرى الإيجابيات التي حققتها مصر تتمثل في انسجامها مع تبدلات العالم، وأبرزها إغلاق ملفات الشعارات وأبواب التمنيات في عالم عربي موحد، والانطلاق نحو تحسين مستوى المعيشة عبر خطة وطنية جامعة، والانفتاح للاستفادة من اتساع عالم التكنولوجيا والاستثمار ودور السياحة، وتشجيع القطاع الخاص للإسهام في البناء الوطني، وتعديل القوانين التي جاءت من ظروف استثنائية، تولت الدولة فيها كل الجوانب التنموية والتضييق على دور القطاع الخاص، ومن الملاحظ في ترتيبات عصر الرئيس عبدالفتاح السيسي، انه منح أصحاب الاختصاص الثقة الكاملة، فتحمّلوا مسؤولية إدارة الاقتصاد، وفي ضوء المستجدات كانوا على وعي لضرورات تدفق الاستثمار البنَّاء من عالم العرب ومن غيرهم، وتحولت ادارة الاقتصاد المصري الى مواطنين مختصين، وعلى وعي بشروط الانطلاق، لأن الرئيس السيسي وفّر لهم الحرية في مسار التنمية.

ولا شك في أن هذه المفاهيم، التي لم يكن لها مكان في العصر الناصري، تشكل الآن القواعد الجوهرية لتحقيق النجاح في الملف التنموي، فلا استثمار من دون انفتاح، ولا تحسّن في مستوى المعيشة من دون دور للقطاع الخاص، ولا توافق مع المسار العالمي من دون استحضار المستجدات في التكنولوجيا، ولا علاقات خارجية سليمة من دون الالتزام بالمواثيق، وأهمها ميثاق الأمم المتحدة واحترام سيادة الدول، مع الأولوية للتحدي الاقتصادي والتنموي، وصولاً إلى الأهداف الوطنية في دوام الأمن والاستقرار، هذه خلاصة فلسفة المسار التنموي، الذي تبناه الرئيس عبدالفتاح السيسي، والمنفتح على كل الانواع الاستثمارية، مع توفير الأمن لها، من خلال متابعته الدائمة وإيمانه بجدواها وازدهار الاقتصاد المصري، ومن هذا التحوّل يسير الاقتصاد نحو التواجد داخل دول الخليج عبر شركات مصرية، تتكرر زيارات مسؤوليها الى المنطقة لكي تتآلف مع شركات الخليج التنموية، لتصعيد التواجد المصري في المنطقة، وهو مسعى شرعي ومقبول.

عبدالله بشارة

” القبس ” 31 أغسطس 2025

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى