الدغيشم: ركود غير معتاد يسيطر على العقار.. والاستثماري يقود النشاط وحيدًا
توقعات باستمرار تباطؤ التداولات العقارية حتى نهاية سبتمبر المقبل

في قراءة تحليلية شاملة لواقع القطاع العقاري ومستقبله، وضع الخبير العقاري عبدالعزيز الدغيشم خارطة طريق متكاملة لتشخيص أزمات السوق وطرح حلول تنظيمية جريئة. واستعرض الدغيشم ملامح المشهد الاستثماري خلال الربع الأول من عام 2026، مؤكداً أن السوق يمر بحالة ركود استثنائية وغير معتادة ناتجة عن تزامن عوامل موسمية، وتشريعية، وجيوسياسية أدت إلى تراجع أسعار السكن الخاص بنسبة تصل إلى 25% في بعض المناطق، في حين ظل “العقار الاستثماري” الملاذ الأكثر تماسكاً وجذباً لرؤوس الأموال الباحثة عن العوائد التشغيلية المستقرة.
ولم يقتصر تحليل الدغيشم على رصد الواقع، بل امتد لتقديم رؤية تنظيمية وعمرانية غير تقليدية؛ حيث دعا إلى إنشاء مدن سكنية متكاملة ومخططة للجاليات الوافدة خارج الكتل السكنية التقليدية لتخفيف الضغط عن البنية التحتية، مع ربط هذا التوجه بفتح باب تملك الأجانب في مناطق محددة لإنعاش السيولة وجذب الاستثمارات. وفي الوقت الذي وصف فيه مشروع قانون الرهن العقاري بأنه “نقطة تحول تاريخية” ستسهم في تعزيز القدرة الشرائية للشباب بشرط ضبطه رقابياً لمنع التضخم والمضاربات، استبعد الدغيشم نجاح خيار السكن العمودي حالياً كبديل للمواطن الكويتي، عازياً ذلك إلى الخصوصية المجتمعية الموروثة والانطباع السلبي الذي خلفته تجربة مجمع “الصوابر” السابقة.
كيف تقيم وضع السوق العقاري خلال الربع الأول من 2026؟
السوق العقاري مر خلال الربع الأول من العام بحالة ركود واضحة وغير معتادة مقارنة بالأعوام السابقة، إذ بالعادة يشهد الربع الأول نشاطا نسبيا نتيجة امتداد حركة التداولات من نهاية السنة، لكن ما حدث هذا العام كان مختلفا تماما.
هناك عدة عوامل تزامنت معا أثرت مباشرة على حركة السوق، منها دخول شهر رمضان المبارك، وتطبيق بعض القوانين، إلى جانب التوترات الجيوسياسية والأوضاع الاقتصادية، ما انعكس بصورة واضحة على نفسية المتداولين والمستثمرين. ان حالة الترقب والحذر أصبحت السمة الغالبة على قرارات البيع والشراء، فالكثير من المستثمرين فضلوا التريث لحين اتضاح الصورة الاقتصادية التشريعية، ما أدى إلى تراجع ملحوظ في معدلات التداول مقارنة بالسابق.
هل يمكن وصف الحالة بأنها ركود أم انخفاض في الأسعار؟
الحقيقة أن السوق يعيش مزيجا بين الركود وتراجع الأسعار في بعض القطاعات، خصوصا السكن الخاص، الذي شهد انخفاضات بين 20 و25% في بعض المناطق، نتيجة ضعف الطلب وارتفاع حالة الترقب. في المقابل، ظل القطاع الاستثماري الأكثر تماسكا ونشاطا، حيث شهد تحركات مدفوعة بدخول شركات ومستثمرين يبحثون عن العائد التشغيلي والاستقرار طويل الأجل، خصوصا في ظل استمرار الطلب على الوحدات الاستثمارية والإيجارية. أما العقار الصناعي فيكاد يكون متوقفا، بينما شهد “التجاري” هدوءا مقارنة بالفترات الماضية، في حين تباطأت حركة تداول الشاليهات والعقارات الساحلية نتيجة عوامل موسمية وظروف اقتصادية. إن النشاط الحقيقي خلال الربع الأول كان بقيادة العقار الاستثماري، بينما بقية القطاعات شهدت تباطؤا متفاوتا.
هل تتوقع استمرار الركود خلال الفترة المقبلة؟
أتوقع استمرار التباطؤ خلال الربع الثاني على الأقل، لوجود عوامل موسمية تؤثر سنويا على السوق، مثل فترة الاختبارات الدراسية، ثم الأعياد، يليها السفر، وفيها تنخفض التداولات بشكل طبيعي. كما أن استمرار حالة الحذر الاقتصادي والترقب لدى المستثمرين قد يمدد الهدوء لفترة أطول، خصوصا في ظل ترقب الأسواق لأي متغيرات اقتصادية أو تشريعية جديدة. وعادة ما تبدأ السوق العقارية في استعادة نشاطها تدريجيا مع نهاية سبتمبر وبداية أكتوبر، بالتزامن مع عودة المواطنين من السفر واستقرار الدورة الاقتصادية.
هل لقانون ضريبة الأراضي الفضاء تأثير على الأسعار؟
بالتأكيد، القانون كان له تأثير واضح ومباشر، وساهم إلى حد كبير في ضبط الأسعار والحد من المضاربات على الأراضي الفضاء، خصوصا في المناطق التي شهدت ارتفاعات مبالغ فيها خلال السنوات الماضية. لكن في المقابل، خلق القانون حالة من القلق لدى ملاك الأراضي، خصوصا مع تحديد الحد المعفى عند 1500 متر فقط، إذ توجد شريحة تمتلك أراضي لأبنائها أو لأغراض مستقبلية وليس بهدف الاحتكار أو المضاربة.
ومن وجهة نظري، فإن معالجة هذه الإشكالية تتطلب رفع الحد المعفى إلى 3000 أو 3500 متر، بما يحقق التوازن بين مواجهة الاحتكار وعدم الإضرار بالملاك الحقيقيين.
هل ترى أن توقيت صدور اللائحة كان مناسبا؟
أرى أن التوقيت لم يكن موفقا، خصوصا مع الظروف الاقتصادية والسياسية الحالية، لأن السوق كان يمر بحالة ترقب وحذر، وبالتالي فإن صدور قرارات جديدة في هذا التوقيت ساهم في زيادة القلق وإرباك المتعاملين. مثل هذه القوانين تحتاج إلى توقيت مدروس وحوار مع أصحاب العلاقة قبل التطبيق، حتى تحقق أهدافها دون التأثير سلبا على استقرار السوق.
طرحت فكرة إنشاء مناطق سكنية لكل جنسية… ما الهدف منها؟
الهدف ليس التمييز بين الجنسيات كما قد يعتقد البعض، وإنما تنظيم التوزيع السكاني والحد من العشوائية الموجودة حاليا في بعض المناطق. فالواقع يؤكد أن هناك تركزا واضحا لبعض الجاليات في مناطق معينة، لكن هذا التواجد يتم بصورة غير منظمة، ما يخلق ضغوطا على البنية التحتية والخدمات، وأحيانا مشاكل اجتماعية وتنظيمية. أما إذا تم تنظيم هذه التجمعات ضمن مدن أو أحياء مخططة ومتكاملة الخدمات، يؤدي إلى خلق بيئة أكثر استقرارا وتنظيما، مع توفير خدمات تتناسب مع طبيعة كل جالية. ويمكن تطبيق الفكرة عبر إنشاء مدن سكنية متكاملة خارج الكتل السكنية التقليدية، تضم خدمات متنوعة مثل المطاعم والأسواق والمدارس والمراكز الترفيهية التي تتناسب مع طبيعة وثقافة الجاليات المختلفة، كما يمكن ربط هذه المدن ببنية تحتية حديثة وشبكات نقل متطورة، بما يخفف الضغط عن المناطق الداخلية ويسهم في إعادة تنظيم التوزيع السكاني بصورة أفضل.
أ لا تتفق معي أن هذا الطرح قد يفهم بشكل سلبي؟
بالفعل قد يساء فهم الفكرة إذا تم تناولها خارج إطارها التنظيمي، لكن المقصود منها تحسين جودة السكن والخدمات وليس التمييز بين الناس، والواقع الحالي يؤكد أن التوزيع العشوائي خلق العديد من التحديات، وبالتالي فإن التنظيم الحضاري المدروس يبقى أفضل من الفوضى الحالية، بشرط أن يتم وفق معايير تحفظ حقوق الجميع وتضمن العدالة والمساواة.
وهل يرتبط هذا المقترح بفكرة تملك الأجانب؟
نعم، فتح باب التملك للأجانب في مناطق محددة ومنظمة قد يدعم هذا التوجه بصورة كبيرة، كما يسهم في تنشيط السوق العقاري وتحريك قطاعات اقتصادية مرتبطة به، كما أن هذه الخطوة قد تساهم في جذب استثمارات جديدة وتعزيز السيولة داخل السوق العقارية المحلية.
ماذا عن السكن العمودي كحل للأزمة الإسكانية؟
حتى الآن لا يوجد تقبل مجتمعي واسع للفكرة، فالمواطن الكويتي اعتاد تاريخيا على السكن الأفقي والمساحات الواسعة والخصوصية العالية، ما يجعل الشقق السكنية أقل جاذبية بالنسبة لشريحة كبيرة من المواطنين، وبعض التجارب السابقة، مثل الصوابر، تركت انطباعا سلبيا لدى المجتمع تجاه هذا النوع. لكن مع تزايد التحديات الإسكانية وارتفاع تكاليف الأراضي، قد يصبح السكن العمودي مستقبلا خيارا مطروحا بشكل أكبر، بشرط تطوير نماذج حديثة تلبي احتياجات الأسرة الكويتية من حيث المساحة والخصوصية والخدمات.
كيف تنظر إلى مشروع قانون الرهن العقاري؟
قانون الرهن العقاري قد يمثل نقطة تحول مهمة في السوق إذا تم تطبيقه بصورة مدروسة ومتوازنة، لأنه يسهم في زيادة القدرة الشرائية للمواطنين، خصوصا الشباب، عبر توفير حلول تمويلية أكثر مرونة.كما يعزز من نشاط البنوك وشركات التمويل، ويخلق منتجات عقارية وتمويلية جديدة. لكن نجاح المشروع يتطلب وجود تشريعات واضحة وضوابط رقابية دقيقة تمنع التضخم والمضاربات غير المدروسة، إلى جانب أهمية التكامل بين الحكومة والبنوك والجهات الرقابية وشركات التطوير العقاري لضمان تحقيق الأهداف.
مقومات نجاح “الرهن العقاري”
- وجود تشريعات واضحة تنظم علاقة البنوك والمستفيدين.
- رقابة مصرفية فعالة لضمان استدامة التمويل وتقليل المخاطر.
ارتفاع الطلب الإسكاني المحلي خصوصا بين فئة الشباب. - تنوع المنتجات التمويلية بما يتناسب مع مختلف الشرائح.
- 5استقرار القطاع المصرفي وقدرته على التمويل طويل الأجل.
- تعزيز السيولة وتنشيط حركة التداولات العقارية.
- دعم المطورين العقاريين وزيادة المعروض السكني مستقبلا.
- رفع القدرة الشرائية للمواطنين وتسهيل تملك السكن الخاص.
أهم التحديات أمام “الرهن العقاري”
- احتمالية ارتفاع أسعار العقارات نتيجة زيادة التمويل والسيولة.
- مخاوف زيادة معدلات التعثر في حال ضعف الضوابط التمويلية.
- الحاجة إلى تشريعات مكملة تنظم الرهن والتنفيذ وآليات السداد.
- ضرورة تحقيق توازن بين التمويل والقيمة الحقيقية للعقار.
- مخاوف من المضاربات العقارية واستغلال التمويل لرفع الأسعار.
- أهمية نشر الثقافة المالية حول الالتزامات طويلة الأجل. ● الحاجة إلى تطوير البنية التنظيمية لسوق التمويل العقاري.
- تنسيق حكومي مع البنوك والقطاع العقاري لنجاح التجربة.
المصدر / جريدة السياسة



