محليات

الشيخ مبارك عبد الله المبارك الصباح يكتب: إلى والدِي الحاضرِ دوماً… في ذِكرى غيابِه

في كل عام يأتي الخامس عشر من يونيو، فأجدني أعودُ إلى ذات السؤال الذي رافقني سنوات طويلة: كيف يستطيع بعض الرجال أن يبقوا حاضرين بعد رحيلهم بعشرات السنين؟

لقد مضى على رحيلك يا والدي زمن طويل، تعاقبت خلاله أجيال وأحداث وتحولات كثيرة، وتغيّرت المنطقة مرات عديدة، وتبدّلت وجوه وأسماء ومواقع، لكن حضورك بقي ثابتاً في الذاكرة بصورة تدعو إلى التأمل. وربما لأنك كنت تؤمن بأنّ قيمة الإنسان فيما يتركه من أثر، لا فيما يملكه من موقع أو منصب.

كلما سافرتُ إلى بلد عربي أو أجنبي، أو التقيتُ بأشخاص من أجيال مختلفة، فوجئت بأن اسمك مازال حاضراً في أحاديثهم. بعضهم عرفك وعمل معك، وبعضهم لم يرك قط، لكنه سمع عنك من والده أو من أستاذه أو من رجل عاصرك. وكثيراً ما أجد مَن يحدثني عن موقف نبيل، أو يد امتدت بالعون، أو كلمة بقيت في الذاكرة، وكأن هؤلاء الرجال قرّروا أن يحملوا شيئاً من سيرتك إلى أبنائهم وأحفادهم.

وأدرك مع مرور السنوات أن الأثر الحقيقي ليس فقط بالمباني التي شُيّدت، أو بعدد المشاريع التي أُنجزت مهما كانت أهميتها، وإنما بالرجال الذين جرى إعدادهم، وبالمؤسسات التي قامت على قيم راسخة، وبالمبادئ التي تستمر في أداء دورها بعد غياب أصحابها.

لقد أسهمتَ يا والدي، ومعك رجالات الكويت، في مرحلة مفصلية من تاريخ الوطن، مرحلة كان فيها البناء فعلاً يومياً، وكانت المسؤولية تكليفاً لا تشريفاً، وكان الحلم أكبر من الإمكانات المتاحة.

واليوم، حين ننظر إلى ما وصلتْ إليه الكويت من مكانة واحترام وحضور، لا نستطيع أن نفصل هذا المشهد عن جهود جيل الروّاد الذين وضعوا الأساسات الأولى، وتحمّلوا مشقة البدايات، وآمنوا بمستقبل هذا الوطن.

ولعلّ من أعظم ما ورثته الكويت عبر تاريخها هو وحدتها الوطنية التي قامت على التلاحم بين أهلها وحكامها منذ عهد والدك، جدّنا المغفور له بإذن الله الشيخ مبارك الصباح – رحمه الله – الذي رسّخ مفهوم الدولة القائمة على الثقة المتبادلة والوفاء وتحمّل المسؤولية المشتركة.

منذ ذلك الزمن، تعاقبت الأجيال وهي تدرك أن قوة الكويت لم تكن يوماً في مواردها فقط، بل في وحدة شعبها، وفي تماسك نسيجها الاجتماعي، وفي القيم التي جمعت أبناءها تحت راية واحدة.

بعد أكثر من قرن على تلك الأساسات الراسخة، مازالت الكويت تستمد قوتها من ذات المعاني؛ من التكاتف والولاء للوطن واحترام القانون والإيمان بأن الجميع شركاء في المحافظة على هذا البلد واستقراره ومستقبله.

وفي هذه الأيام على وجه الخصوص، والمنطقة مِن حولنا تمرُّ بظروف دقيقة وصراعات متسارعة وتحديات غير مسبوقة، أجد نفسي أستحضر كثيراً من الدروس التي تعلّمناها منك ومن جيلكم؛ فالأحداث الجارية تؤكد أن الأوطان لا يحميها السلاح وحده، وإنما تحميها كذلك وحدة أهلها وتماسك مجتمعها وصدق الانتماء إليها.

وعندما تتعرّض الدول للاختبارات، تظهر قيمة الشيم والأخلاق والمبادئ التي تربّى عليها أبناؤها.

الشيخ مبارك عبد الله المبارك الصباح يكتب: إلى والدِي الحاضرِ دوماً… في ذِكرى غيابِه

في كل عام يأتي الخامس عشر من يونيو، فأجدني أعودُ إلى ذات السؤال الذي رافقني سنوات طويلة: كيف يستطيع بعض الرجال أن يبقوا حاضرين بعد رحيلهم بعشرات السنين؟

لقد مضى على رحيلك يا والدي زمن طويل، تعاقبت خلاله أجيال وأحداث وتحولات كثيرة، وتغيّرت المنطقة مرات عديدة، وتبدّلت وجوه وأسماء ومواقع، لكن حضورك بقي ثابتاً في الذاكرة بصورة تدعو إلى التأمل. وربما لأنك كنت تؤمن بأنّ قيمة الإنسان فيما يتركه من أثر، لا فيما يملكه من موقع أو منصب.

كلما سافرتُ إلى بلد عربي أو أجنبي، أو التقيتُ بأشخاص من أجيال مختلفة، فوجئت بأن اسمك مازال حاضراً في أحاديثهم. بعضهم عرفك وعمل معك، وبعضهم لم يرك قط، لكنه سمع عنك من والده أو من أستاذه أو من رجل عاصرك. وكثيراً ما أجد مَن يحدثني عن موقف نبيل، أو يد امتدت بالعون، أو كلمة بقيت في الذاكرة، وكأن هؤلاء الرجال قرّروا أن يحملوا شيئاً من سيرتك إلى أبنائهم وأحفادهم.

وأدرك مع مرور السنوات أن الأثر الحقيقي ليس فقط بالمباني التي شُيّدت، أو بعدد المشاريع التي أُنجزت مهما كانت أهميتها، وإنما بالرجال الذين جرى إعدادهم، وبالمؤسسات التي قامت على قيم راسخة، وبالمبادئ التي تستمر في أداء دورها بعد غياب أصحابها.

لقد أسهمتَ يا والدي، ومعك رجالات الكويت، في مرحلة مفصلية من تاريخ الوطن، مرحلة كان فيها البناء فعلاً يومياً، وكانت المسؤولية تكليفاً لا تشريفاً، وكان الحلم أكبر من الإمكانات المتاحة.

واليوم، حين ننظر إلى ما وصلتْ إليه الكويت من مكانة واحترام وحضور، لا نستطيع أن نفصل هذا المشهد عن جهود جيل الروّاد الذين وضعوا الأساسات الأولى، وتحمّلوا مشقة البدايات، وآمنوا بمستقبل هذا الوطن.

ولعلّ من أعظم ما ورثته الكويت عبر تاريخها هو وحدتها الوطنية التي قامت على التلاحم بين أهلها وحكامها منذ عهد والدك، جدّنا المغفور له بإذن الله الشيخ مبارك الصباح – رحمه الله – الذي رسّخ مفهوم الدولة القائمة على الثقة المتبادلة والوفاء وتحمّل المسؤولية المشتركة.

منذ ذلك الزمن، تعاقبت الأجيال وهي تدرك أن قوة الكويت لم تكن يوماً في مواردها فقط، بل في وحدة شعبها، وفي تماسك نسيجها الاجتماعي، وفي القيم التي جمعت أبناءها تحت راية واحدة.

بعد أكثر من قرن على تلك الأساسات الراسخة، مازالت الكويت تستمد قوتها من ذات المعاني؛ من التكاتف والولاء للوطن واحترام القانون والإيمان بأن الجميع شركاء في المحافظة على هذا البلد واستقراره ومستقبله.

وفي هذه الأيام على وجه الخصوص، والمنطقة مِن حولنا تمرُّ بظروف دقيقة وصراعات متسارعة وتحديات غير مسبوقة، أجد نفسي أستحضر كثيراً من الدروس التي تعلّمناها منك ومن جيلكم؛ فالأحداث الجارية تؤكد أن الأوطان لا يحميها السلاح وحده، وإنما تحميها كذلك وحدة أهلها وتماسك مجتمعها وصدق الانتماء إليها.

وعندما تتعرّض الدول للاختبارات، تظهر قيمة الشيم والأخلاق والمبادئ التي تربّى عليها أبناؤها.

الشيخ مبارك عبد الله المبارك الصباح  

الراي 15 يونيو 2026

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى