6 أكتوبر.. يوم اختلط فيه الدم المصري بالدم الكويتي

هناك تواريخ لا تمرّ عليها السنوات، لأنها لا تسكن صفحات الكتب، وإنما تستقر في وجدان الشعوب.
والسادس من أكتوبر واحد من هذه التواريخ.
ففي مثل هذا اليوم، قبل أكثر من نصف قرن، عبر الجيش المصري قناة السويس، واستعاد المصريون ثقتهم بأنفسهم، وبدأت صفحة جديدة من تاريخ المنطقة، عنوانها الإرادة والصمود والتضحية.
لكن أكتوبر لم يكن حكاية مصر وحدها.
كان حكاية أمة عربية شعرت أن المعركة معركتها، وأن الجرح المصري هو جرحها، وأن تحرير الأرض والكرامة مسؤولية تتجاوز حدود الوطن.
وفي قلب هذه الملحمة العربية، تقف الكويت.
تقف بما قدمته من دعم ومساندة، وبأبنائها الذين شاركوا أشقاءهم المصريين في معركة التحرير، وبالتضحيات التي جعلت من السادس من أكتوبر صفحة مضيئة في سجل العلاقات المصرية الكويتية.
ففي أرض المعركة اختلط الدم المصري بالدم الكويتي، وسقط الشهداء وهم لا يسألون عن جنسية من يقاتلون إلى جواره، لأن الجميع كانوا يحملون قضية واحدة، ويدافعون عن كرامة واحدة.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية لأكتوبر.
لم يكن العبور مجرد عملية عسكرية، ولم يكن النصر نتيجة السلاح وحده؛ بل كان انتصارًا للإرادة، وللإنسان الذي قرر ألا يستسلم، وللأمة التي أثبتت أن التضامن حين يتحول إلى موقف يمكن أن يصنع فارقًا في التاريخ.
والكويت، قيادة وشعبًا، كانت جزءًا من هذا الموقف.
فمنذ ذلك التاريخ، لم تعد العلاقات المصرية الكويتية مجرد علاقات بين دولتين شقيقتين، وإنما أصبحت تحمل في أعماقها ذاكرة مشتركة، وذكريات تضحيات، ومواقف لا يمكن أن تمحوها السنوات.
إن الدم الذي امتزج في ساحات القتال لا يمكن أن يكون مجرد تفصيل في كتاب التاريخ؛ إنه عهد أخوة كتبته الأرواح قبل أن تكتبه الكلمات.
ولهذا، فإن المصري حين يتذكر السادس من أكتوبر، يتذكر معه مواقف الأشقاء العرب، وفي مقدمتهم الكويت، التي وقفت إلى جانب مصر في لحظة فارقة من تاريخها.
والكويتي حين يستعيد ذكرى أكتوبر، لا يستعيد فقط انتصارًا مصريًا، وإنما يستعيد موقفًا كويتيًا عربيًا، ويستحضر أسماء رجال من أبناء وطنه شاركوا في تلك الملحمة، وقدموا ما استطاعوا من أجل نصرة أشقائهم.
إنها ذاكرة لا تخص جيلًا بعينه.
فالأجيال الجديدة، التي لم تعش أيام الحرب، مطالبة بأن تعرف أن العلاقات بين مصر والكويت لم تصنعها المصالح وحدها، وإنما صنعتها المواقف، وأن هناك صفحات في تاريخ البلدين كتبت بالدم والتضحية.
ومن أجمل ما يمكن أن نتركه للأجيال أن نقول لهم:
إن بين مصر والكويت تاريخًا لا يُختصر في اتفاقية، ولا يُقاس بأرقام التجارة، ولا تحدده حدود الجغرافيا؛ لأن هناك دمًا مصريًا وكويتيًا امتزج ذات يوم دفاعًا عن الأرض والكرامة.
واليوم، ونحن نحتفل بذكرى نصر أكتوبر، فإن الاحتفال لا ينبغي أن يكون مجرد استعادة لمشاهد العبور والانتصار، بل مناسبة لاستحضار قيم الوفاء، ورد الجميل، وتكريم الشهداء، وتذكير الأجيال بأن الأوطان تبنى بالتضحيات، وأن العلاقات بين الشعوب تصبح أكثر رسوخًا عندما تُختبر في أصعب الظروف.
ستبقى مصر تتذكر الكويت.
وستبقى الكويت تتذكر مصر.
وسيظل أكتوبر شاهدًا على يوم لم تكن فيه الحدود فاصلة بين الأشقاء، بل كانت الدماء جسورًا امتدت بين قلب القاهرة وقلب الكويت.
في السادس من أكتوبر عبر المصريون قناة السويس، لكنهم لم يعبروا وحدهم؛ فقد كانت خلفهم أمة، وفي مقدمتها الكويت، تحمل معهم الحلم، وتشاركهم التضحية، وتقف معهم في معركة الكرامة.
رحم الله شهداء مصر والكويت وكل الشهداء العرب.
وحفظ الله مصر والكويت قيادة وشعبا، وأدام بينهما أواصر الأخوة والمحبة.
كل عام ومصر بخير في ذكرى نصرها العظيم، وكل عام والكويت حاضرة في الذاكرة المصرية، كما ستظل مصر حاضرة في الوجدان الكويتي.
أكتوبر ليس ذكرى حرب فقط… أكتوبر ذاكرة دم، وموقف، وأخوة لا تنتهي.
أحمد اسماعيل بهبهاني

