في ذكرى تأسيسه الـ45.. مجلس التعاون الخليجي نموذج إقليمي رائد للتكامل والعمل المشترك

تحيي دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية اليوم الاثنين، الذكرى الـ45 لتأسيس المنظومة الخليجية، وسط مسيرة حافلة بالإنجازات المتميزة في شتى المجالات جعلت منها نموذجاً ملهماً للعمل الإقليمي المتكامل، وبرهنت على صواب الرؤية الثاقبة للقادة المؤسسين الذين أرسوا دعائم هذا الكيان الشامخ.
وتتزامن هذه الذكرى المجيدة مع تأكيد الدول الأعضاء التزامها الراسخ بمواصلة مسيرة العمل المشترك وتعميق مسارات التكامل في مختلف القطاعات، بما يلبي تطلعات الشعوب الخليجية نحو مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً، حيث يظل المجلس شاهداً حياً على وحدة الهدف والمسير، ومستنداً إلى توجيهات أصحاب الجلالة والسمو قادة دول المجلس.
ريادة كويتية في فكرة التأسيس
وتستذكر مسيرة المجلس الفخر والاعتزاز بالدور الريادي لدولة الكويت في بلورة فكرة هذا الكيان؛ حيث بدأت المبادرة في مايو عام 1976 عندما قام أمير البلاد الراحل الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح (طيب الله ثراه) -حينما كان ولياً للعهد- بزيارة إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، أجرى خلالها مباحثات مع رئيسها الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، واقترح خلالها إنشاء وحدة خليجية تهدف لتحقيق التعاون المشترك وتأمين مصلحة شعوب المنطقة وأمنها واستقرارها، ليتجسد هذا الحلم واقعاً في 25 مايو عام 1981 باللقاء التاريخي في أبوظبي الذي جمع قادة الدول الست المؤسسة (الكويت، السعودية، الإمارات، سلطنة عمان، البحرين، وقطر).
دبلوماسية وقائية وجهود أمنية وعسكرية
ويرتكز تعامل مجلس التعاون مع القضايا والنزاعات الإقليمية والدولية على الدبلوماسية الوقائية وحل النزاعات بالطرق السلمية، مع تبني تكامل أمني وعسكري متطور لتعزيز الردع والدفاع عن النفس؛ حيث تجسد ذلك بوضوح في المواقف الصارمة والبيانات الصادرة عن القمم الخليجية -مثل القمة التشاورية الاستثنائية بجدة- في إدانة الاعتداءات الإرهابية السافرة التي تعرضت لها بعض دول المجلس، والتأكيد على أن أمن دول التعاون كلٌ لا يتجزأ، وأن أي اعتداء على أي دولة عضو هو اعتداء على الجميع.
كما أظهرت المواقف والبيانات الرسمية تنسيقاً أمنياً وعسكرياً رفيع المستوى لردع الاستفزازات وتأمين خطوط الملاحة والممرات المائية الحيوية في المنطقة، باعتبارها عصب الاقتصاد والتنمية الدولية، وخطاً أحمر لا يمكن التهاون أمامه.
مواقف تاريخية مشهودة وشراكات دولية
وشكل مجلس التعاون مظلة جامعة لتوحيد المواقف تجاه القضايا الإقليمية والدولية، وكان شريكاً موثوقاً في تقديم المساعدات الإنسانية والتنموية وتأييد القضايا العادلة وعلى رأسها القضية الفلسطينية. ولا يزال الموقف التاريخي والمبدئي والشجاع للمجلس في التصدي للغزو العراقي الغاشم لدولة الكويت عام 1990 محفوراً في ذاكرة ووجدان الكويتيين كنموذج حي للتضامن الأخوي.
وعلى الصعيد الدولي، نجح المجلس في بناء شراكات استراتيجية مع القوى العالمية والتكتلات الاقتصادية الكبرى، مثل الاتحاد الأوروبي، الصين، الولايات المتحدة، اليابان، والهند، وأثبت وجوده ككيان موحد وفاعل ومؤثر في المحافل الدولية.
إنجازات اقتصادية وتنموية استراتيجية
وعلى الصعيد الداخلي والتنموي، حقق المجلس قفزات نوعية أسهمت في رفاهية المواطن الخليجي، ومن أبرزها:
- السوق الخليجية المشتركة: التي انطلقت عام 2008 وأسهمت في إزالة الحواجز التجارية وتسهيل حركة رؤوس الأموال والاستثمارات وتنقل المواطنين.
- مشروع الربط الكهربائي: الذي حقق الأمن المائي والكهربائي لشبكات دول المجلس، وشهد مؤخراً قفزات نوعية بتنفيذ مشروع الربط مع شبكة جمهورية العراق، وتوقيع مذكرات تفاهم استراتيجية لتبادل الطاقة مع دول مثل سويسرا.
- مشروع السكك الحديدية الخليجية: الذي تم تأجيله في يوليو 2009 لتطوير خططه، ويمتد حالياً من الكويت مروراً بالدمام والرياض وأبوظبي وصولاً إلى مسقط مع تفريعات تربط البحرين وقطر.
- التعاون الدفاعي والأمني: المتمثل في تطوير منظومة (درع الجزيرة) عام 1984، وتطوير التعاون الأمني وتكثيف الجهود المشتركة لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة.
- التنمية البشرية والاستدامة: عبر تنسيق السياسات التعليمية والصحية والبيئية، والتعاون في مجالات البحث العلمي والطاقة المتجددة لمواجهة التغير المناخي والتحول الرقمي.
ويظل مجلس التعاون لدول الخليج العربية، بفضل تلاحم قادته وصلابة قاعدته الشعبية والتاريخية، واحداً من أنجح نماذج التعاون والتكامل الإقليمي في العالم العربي، وشاهداً حياً على قوة الإرادة المشتركة في مواجهة كافة التحديات المستقبلية.



