محليات

موئل الأمم المتحدة: معسكر الاستدامة الرابع يعزز دور الشباب في بناء جيل واعٍ بالاستدامة

د. أميرة الحسن: بناء مدن مستدامة يبدأ ببناء وعي الإنسان وقدرته على التعامل المسؤول مع الموارد والبيئة والمجتمع 

مديرة مبرة صباح السالم الشيخه مريم الصباح مع رئيسة بعثة موئل الأمم المتحدة د. أميره الحسن و رئيسة فريق انفايرو قروب م. فاطمه اشكناني

افتتاح معسكر الطفل المستدام في مركز عبدالله السالم الثقافي

 

الاطفال يستهلون المعسكر بجمع المواد المعاد تدويرها لمشاريعهم المستدامة

 

أكد برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (موئل الأمم المتحدة) أهمية الاستثمار في قدرات الشباب والأطفال وتعزيز مشاركتهم في العمل البيئي والمجتمعي، باعتبارهم شركاء أساسيين في تحقيق التنمية المستدامة وبناء مدن ومجتمعات أكثر قدرة على مواجهة التحديات المستقبلية.

جاء ذلك بمناسبة اليوم العالمي للشباب، الذي يصادف 12 أغسطس من كل عام، وبالتزامن مع فعاليات النسخة الرابعة من معسكر الاستدامة للأطفال 2026، الذي يقوده فريق «إنفايرو» العلمي والتطوعي التابع لبرنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية في الكويت ودول الخليج العربي، ويقدم تجربة تعليمية علمية وحسية للأطفال تقوم على التعلم بالممارسة والتجربة في مجالات الاستدامة وإعادة الاستخدام والتدوير والابتكار.

وقالت رئيسة بعثة برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية في الكويت ودول الخليج العربي الدكتورة أميرة الحسن إن وصول معسكر الاستدامة إلى نسخته الرابعة يعكس أهمية استمرارية المبادرات التي تستثمر في الإنسان، مؤكدة أن بناء مدن مستدامة يبدأ ببناء وعي الإنسان وقدرته على التعامل المسؤول مع الموارد والبيئة والمجتمع.

وأضافت الحسن أن تزامن المعسكر مع اليوم العالمي للشباب يحمل دلالة خاصة، إذ يمثل نموذجاً عملياً لمشاركة الشباب في التنمية، ليس باعتبارهم مستفيدين من البرامج والمبادرات فحسب، وإنما باعتبارهم قادة ومتطوعين وناقلين للمعرفة إلى الأجيال الأصغر.

وأوضحت أن الشباب المشاركين ضمن فريق «إنفايرو» يسهمون من خلال تخصصاتهم العلمية والمهنية المختلفة في تقديم تجارب وأنشطة للأطفال تعمل على تبسيط المفاهيم المتعلقة بالاستدامة وتحويلها من معلومات نظرية إلى ممارسات يمكن للطفل رؤيتها ولمسها وتنفيذها بنفسه.

وقالت إن «الاستدامة لا ينبغي أن تبقى مفهوماً نظرياً نقدمه للأجيال الجديدة، بل يجب أن تتحول إلى تجربة يومية يستطيع الطفل أن يراها ويفهمها ويشارك فيها، وأن يدرك من خلالها أن الموارد التي تحيط به لها قيمة، وأن ما نعتبره نفايات يمكن في كثير من الأحيان أن يتحول إلى مورد أو فكرة أو منتج جديد».

وأضافت أن التجربة العلمية والحسية التي يعتمدها المعسكر تهدف إلى تشجيع الأطفال على الملاحظة والتساؤل والتجربة والابتكار والعمل الجماعي، بما يسهم في تنمية مهارات التفكير النقدي والإبداعي لديهم منذ سن مبكرة.

وأكدت الحسن أن الاستثمار في الأطفال والشباب يمثل استثماراً طويل الأجل في مستقبل المدن، مشيرة إلى أن الطفل الذي يتعلم اليوم كيفية المحافظة على موارده وإعادة استخدام المواد والعمل ضمن فريق والبحث عن حلول لمشكلة بيئية «هو المواطن والمهندس والمخطط والباحث وصانع القرار الذي سيشارك غداً في تشكيل مستقبل مدينته».

تجربة بدأت عام 2023

وتعود بدايات المعسكر إلى عام 2023 عندما نظم فريق «إنفايرو» أولى تجاربه تحت عنوان «معسكر المهندس الصغير» في كلية العمارة بجامعة الكويت، مستهدفاً الأطفال من عمر 7 إلى 11 عاماً، قبل أن تتطور الفكرة في المواسم التالية لتشمل نطاقاً أوسع من مجالات العلوم والاستدامة والابتكار.

وفي عام 2024 أقيمت النسخة الثانية من المعسكر تحت شعار «نحو شراكة مجتمعية مستدامة»، حيث ركزت على تعزيز الوعي البيئي والعلمي لدى الأطفال وتعريفهم بمبادئ الاستخدام المسؤول للموارد الطبيعية، إلى جانب تطوير مهاراتهم في مجالات الهندسة والطب والابتكار والعمل الجماعي والمسؤولية الاجتماعية.

أما النسخة الثالثة التي أقيمت عام 2025 تحت شعار «نحو كويت مستدامة» فقد شهدت توسعاً في طبيعة الأنشطة والتخصصات المشاركة، واستهدفت ربط الأطفال بمجموعة من المجالات العلمية والمهنية وإتاحة الفرصة أمامهم لتطوير أفكار ومشروعات تتصل بالاستدامة واحتياجات المجتمع.

وشهد الموسم الثالث مشاركة أكثر من 125 طفلاً، من بينهم أكثر من 20 طفلاً من الأشخاص ذوي الإعاقة، في إطار حرص البرنامج والقائمين على المعسكر على تعزيز مبادئ الدمج وإتاحة الفرص أمام مختلف فئات الأطفال للمشاركة في الأنشطة العلمية والمجتمعية.

النسخة الرابعة.. من المعرفة إلى التطبيق

وتواصل النسخة الرابعة لعام 2026 البناء على الخبرات المتراكمة خلال السنوات الثلاث الماضية، مع التركيز على تقديم الاستدامة للأطفال من خلال تجربة عملية قائمة على التعلم بالممارسة.

ويعتمد المعسكر على مبدأ أن الطفل لا يكتفي بسماع المعلومة، وإنما يشارك في اكتشافها، من خلال مجموعة من التجارب والأنشطة التي تشجعه على استخدام المواد وإعادة توظيفها، وفهم قيمة الموارد، وملاحظة المشكلات من حوله، ثم التفكير في حلول مبتكرة لها.

ويسعى المعسكر إلى نقل مفهوم إعادة التدوير من صورته التقليدية باعتباره مجرد عملية للتخلص من النفايات إلى مفهوم أوسع يقوم على إعادة التفكير في دورة حياة المواد، وكيفية الاستفادة منها مرة أخرى وتحويلها إلى موارد أو منتجات أو نماذج جديدة.

كما يعمل على تعريف الأطفال بصورة مبسطة بمبادئ الاقتصاد الدائري والاستهلاك المسؤول وكفاءة استخدام الموارد، وربط هذه المفاهيم بالحياة اليومية للطفل وبيئته المحلية.

ويشكل الابتكار محوراً أساسياً في هذه التجربة، إذ يشجع الأطفال على الانتقال من سؤال «كيف يمكن إعادة استخدام هذا الشيء؟» إلى سؤال «كيف يمكن أن نصنع منه شيئاً أفضل؟»، بما يساعد على تنمية التفكير الإبداعي والقدرة على حل المشكلات.

الشباب يعلمون.. والأطفال يبتكرون

ويقوم النموذج الذي يتبعه فريق «إنفايرو» على علاقة تعليمية تجمع بين الشباب المتطوعين والأطفال، بحيث يسهم أصحاب التخصصات العلمية والمهنية في نقل المعرفة والخبرة بطريقة مبسطة وتفاعلية.

ويتيح هذا النموذج عملية تعلم في اتجاهين، إذ يكتسب الأطفال المعرفة والمهارات العلمية، فيما يكتسب الشباب المتطوعون مهارات القيادة والتواصل والعمل الجماعي وإدارة الأنشطة وتحمل المسؤولية المجتمعية.

وتقوم فلسفة الفريق على الاستفادة من الطاقات الإبداعية للشباب الكويتي وإتاحة المجال أمامهم للمشاركة الفاعلة في المجتمع، من خلال توظيف تخصصاتهم ومعارفهم العلمية والمهنية في تغذية الفضول العلمي لدى الأطفال وتشجيعهم على التعلم والاستكشاف.

الشراكة أساس الاستدامة

وأكدت الحسن أن استمرار المعسكر على مدى أربعة مواسم يعكس كذلك أهمية الشراكة بين المؤسسات الدولية والوطنية والقطاع الخاص والمؤسسات العلمية والتعليمية والمجتمع المدني والمتطوعين في دعم المبادرات المجتمعية المستدامة.

وقالت إن التحديات المتعلقة بالمدن والبيئة والمناخ والموارد «لا يمكن أن تعالجها جهة واحدة»، مؤكدة أهمية بناء شراكات تجمع المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص والأمم المتحدة والمؤسسات العلمية والمجتمع المدني والشباب حول أهداف مشتركة.

وأشارت إلى أن هذه المنهجية تنسجم مع الهدف السابع عشر من أهداف التنمية المستدامة المتعلق بعقد الشراكات لتحقيق الأهداف، إضافة إلى ارتباط المعسكر بالهدف الرابع الخاص بالتعليم الجيد، والهدف الحادي عشر المتعلق بالمدن والمجتمعات المحلية المستدامة، والهدف الثاني عشر بشأن الاستهلاك والإنتاج المسؤولين.

وأضافت أن هذه المبادرات تدعم كذلك التوجه نحو إعداد أجيال أكثر وعياً بالقضايا البيئية والتنموية، بما ينسجم مع التطلعات الوطنية لدولة الكويت ورؤية «كويت جديدة 2035».

المدن المستدامة تبدأ بالإنسان

وأكدت الحسن أن مفهوم المدينة المستدامة يتجاوز البنية التحتية والمباني والتكنولوجيا، ليبدأ بالإنسان الذي يعيش في المدينة وطريقة تعامله مع مواردها وبيئتها.

وأوضحت أن التحديات المرتبطة بالمناخ والطاقة والمياه والنفايات والاستهلاك الحضري ستشكل جزءاً متزايداً من واقع الأجيال المقبلة، الأمر الذي يجعل بناء الوعي البيئي والعلمي في سن مبكرة أحد الاستثمارات الأساسية في مستقبل المجتمعات.

وقالت إن «التكنولوجيا تستطيع أن تقدم لنا حلولاً متقدمة، لكن الإنسان الواعي هو الذي يعرف كيف يستخدم هذه الحلول ويحافظ عليها ويطورها ويبتكر ما هو أفضل منها».

اليوم العالمي للشباب

ويأتي تنظيم فعاليات المعسكر بالتزامن مع اليوم العالمي للشباب الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1999 ويحتفل به سنوياً في 12 أغسطس، بهدف تسليط الضوء على قضايا الشباب وتعزيز مشاركتهم في مختلف مجالات التنمية.

وأكدت الحسن أن تجربة معسكر الاستدامة تقدم نموذجاً لهذه المشاركة من خلال الجمع بين تمكين الشباب وتعليم الأطفال والعمل التطوعي والاستدامة والابتكار في برنامج واحد.

واختتمت تصريحها بالقول: «نحن لا نطلب من أطفالنا أن ينتظروا المستقبل حتى يشاركوا في تغييره، بل نريد أن نتيح لهم منذ اليوم فرصة أن يسألوا ويجربوا ويبتكروا، وفي المقابل نمنح شبابنا مساحة ليقودوا ويتطوعوا وينقلوا معرفتهم إلى الجيل الذي يأتي بعدهم».

وأضافت: «هذه العلاقة بين جيل يعلّم وجيل يكتشف هي إحدى أهم الاستثمارات التي يمكن أن نقدمها لمستقبل الكويت، لأن الاستدامة في النهاية لا تبدأ من التكنولوجيا وحدها، وإنما تبدأ من الإنسان ومن المعرفة والمسؤولية والشعور بأن لكل فرد دوراً في بناء مدينته ومجتمعه».

 تحرير المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى