بين الأمس واليوم.. رياضة التنس تجمع الكويت وبريطانيا في محطات تاريخية ودبلوماسية

-
بقلم: عيسى يحيى عبدالرسول دشتي (B.E.M)
-
باحث في العلاقات الكويتية البريطانية وحامل ميدالية الإمبراطورية البريطانية
نشر الحساب الرسمي للسفارة البريطانية لدى دولة الكويت على منصات التواصل الاجتماعي، منذ أيام، مقطع فيديو مصورًا للسفير البريطاني لدى البلاد، قدسي رشيد، وهو يمارس رياضة التنس.
وجاء الفيديو على هامش مباراة ودية نظمتها السفارة على ملاعب أكاديمية «رافا نادال الكويت»، بمشاركة الشيخ عبد الله أحمد صباح السالم الصباح، و محمد مصطفى المرزوق، ومدير الأكاديمية مارتاين بيلغرافر، والإعلامي عبدالله الملا؛ وذلك بالتزامن مع انطلاق بطولة «ويمبلدون» العالمية في العاصمة البريطانية لندن.
وقد أعادت هذه الفعالية الدبلوماسية الرياضية إلى الأذهان جذور لعبة التنس في الكويت، والتي تعود إلى بدايات ثلاثينيات القرن العشرين، حيث انتشرت ملاعب التنس في الكويت والتي منها ملعب التنس الخاص بحاكم الكويت العاشر الشيخ أحمد الجابر الصباح مما يؤكد أن التنس ليس رياضة حديثة عهد على المجتمع الكويتي. وقد وثقت السيدة فيولت ديكنسون، زوجة المعتمد البريطاني الكولونيل هارولد ديكسون، في كتابها الشهير (أربعون عاماً في الكويت)، تفاصيل إنشاء أول ملعب للتنس والمباريات التي شهدتها البلاد آنذاك.
وقد وثقت تلك المباراة السيدة فيولت ديكسون في كتابها (أربعون عاماً في الكويت) قصة ملعب التنس وبعض المباريات التي أقيمت في الكويت، وهذا دليل على حب حاكم الكويت العاشر الشيخ أحمد الجابر الصباح لرياضة التنس حتى أنه أنشئ ملعب خاص للتنس في أحد الحوط الخاص به في مدينة الكويت وكان يمتلك مضارب التنس ولباس خاص لممارسة لعبة التنس، وفي مبنى دار المعتمد البريطاني الجديد في الكويت (السفارة البريطانية حالياً) في منطقة دسمان تم إنشاء ملعب للتنس في فترة بداية الخمسينيات من القرن العشرين والذي تم لعب عدت مباريات للتنس حتى هذا الوقت، ومازال معلب التنس موجود في السفارة البريطانية بمنطقة دسمان حتى يومنا الحالي لكن مع تغيير مكانه داخل محيط السفارة في وقت متأخر.
شغف مبكر ورعاية أميرية
أظهر حاكم الكويت العاشر، المغفور له الشيخ أحمد الجابر الصباح، شغفًا واهتمامًا مبكرًا برياضة التنس؛ حيث وجه بإنشاء ملعب خاص لها داخل إحدى «حواططه» في مدينة الكويت، واقتنى المضرب والزي الخاص باللعبة.
وفي بدايات الخمسينيات، أُنشئ ملعب آخر للتنس داخل مقر «دار المعتمد البريطاني» الجديد بمنطقة دسمان (مقر السفارة حاليًا)، شهد تنظيم العديد من المباريات التاريخية، وما زال قائمًا حتى يومنا هذا داخل محيط السفارة بعد إعادة توقيعه لاحقًا.
وعن دوافع إنشاء الملعب في الكويت، تنقل فيولت ديكسون عن زوجها الكولونيل هارولد ديكسون تأكيده على أهمية التمارين الرياضية اليومية للحفاظ على الصحة البدنية والنفسية في الظروف المناخية الاستوائية.
وتذكر قائلة: “كانت التمارين اليومية أساسية بالنسبة للكولونيل، فلا يمر يوم دون ركوب الخيل أو المشي أو لعب التنس. وفي أيام الحر كنا نسبح في شاطئ الشويخ الذي كان يتسم بجمال بديع قبل أن يتحول إلى الحوض الرئيسي للسفن”.
من الإرسالية إلى حوطة حاكم الكويت
في البداية، كان أعضاء الجالية الأوروبية وعائلة ديكسون يمارسون التنس على ملعب غير مجهز بالإرسالية الأمريكية. ولكن مع نهاية عام 1930م واستقرار الأوضاع السياسية عقب انتهاء مشكلات الإخوان، طلب الكولونيل ديكسون من الشيخ أحمد الجابر الصباح رخصة لإيجاد موقع لبناء ملعب جديد.
رحب الشيخ أحمد الجابر بالفكرة فورًا، واقترح أن تكون حديقته (حوطته) الخاصة القريبة من قصره في العاصمة هي المكان المثالي. وبعد اكتمال الملعب بإرشادات من ديكسون، خصصت المعتمدية موعدًا أسبوعيًا منتظمًا يلتقي فيه الموظفون وعائلة ديكسون للعب التنس، مع إتاحة الملعب لأطقم السفن البحرية الملكية البريطانية خلال زياراتها الدورية للكويت.
وتروي ديكسون جانبًا اجتماعيًا لطيفًا من تلك الحقبة؛ حيث كان الشيخ أحمد الجابر الصباح يجلس برفقة أفراد من أسرته وأصدقائه عند مدخل الغرف الطينية المجاورة للملعب، يمارسون لعبة «الكيرم» الشعبية ويتفرجون على مباريات التنس.
وفي إحدى المرات، أبدى الشيخ أحمد الجابر رغبته في تجربة اللعبة قائلاً: “هذا يبدو سهلاً جداً، وأعتقد أنني يجب أن أجربه”. وفي الأسبوع التالي، حضر الشيخ مرتديًا قميصًا وبنطالاً أبيضين أنيقين وممسكًا بمضرب جديد.
ورغم الشجاعة والمجهود الكبيرين اللذين بذلهما، كانت الكرات تطير إلى أطراف الحديقة بينما يركض طفلا ديكسون (سعود وزهرة) لجمعها، ليخلص الشيخ روحًا رياضية إلى أن “اللعبة تتطلب جهدًا أكبر مما تبدو عليه”.
محطات التطور ومقتنيات تاريخية
استمر استخدام ملعب الشيخ أحمد الجابر حتى نهاية عام 1937م، حين أشرف الكولونيل ديكسون على إنشاء ملعب جديد في منطقة الشويخ على نفقة شركة نفط الكويت، وافتُتح في ربيع عام 1938م لخدمة موظفي الشركة وزوار المعتمدية وعائلة ديكسون.
ومن ذكريات تلك المرحلة، تذكر السيدة فيولت مباراة استثنائية أقيمت عام 1930م بين طاقم سفينة الأميرال البريطانية (ترياد) بقيادة الكابتن «كريب» وضباطه، وأعقبها حفل عشاء أتمته المعتمدية على شرف الضيوف بحضور الشيخ أحمد الجابر الصباح.
وتكتمل هذه التغطية التاريخية بمقتنى نادر يمتلكه الباحث عيسى دشتي؛ وهو مضرب تنس خشبي إنجليزي الصنع من إنتاج شركة «كارلتون» (Carlton) الشهيرة التي تأسست عام 1946م. يحمل المضرب اسم وشعار الشركة، ومطبوعًا عليه عبارة (POLITICAL AGENCY, KUWAIT) أي «دار المعتمد البريطاني في الكويت»، وحُفر على طرفيه اسمان: الميجور موريس تاندي (M. Tandy) المعتمد البريطاني لدى الكويت آنذاك، واسم (E. Simpson) الذي يُرجح أنه أحد موظفي أو زوار المعتمدية أو شركة نفط الكويت في تلك الفترة.




