وداعا .. السيد فهد بن محمود “رجل الدولة والحكمة” ومسيرة نصف قرن من العطاء لسلطنة عُمان

خيم الحزن على سلطنة عمان بوفاة المغفور له بإذن الله صاحب السمو السيد فهد بن محمود آل سعيد، نائب رئيس الوزراء لشؤون مجلس الوزراء، الذي انتقل إلى جوار ربه عن عمر ناهز 82 عاماً، مخلفاً وراءه إرثاً وطنياً سياسياً وإدارياً سيبقى محفوراً في ذاكرة النهضة العمانية الحديثة.
مسيرة حافلة بالعطاء
لم يكن السيد فهد بن محمود مجرد مسؤول رفيع في الدولة، بل كان أحد الأركان الرئيسية التي ارتكزت عليها مسيرة البناء منذ مطلع السبعينيات. برز سموه كشخصية قيادية فذة جمعت بين الثقافة الواسعة والحنكة السياسية، حيث تخرج في جامعة القاهرة (اقتصاد) واستكمل دراساته العليا في جامعة السوربون بفرنسا (علوم سياسية واقتصاد)، مما منحه رؤية استراتيجية مكنته من إدارة ملفات الدولة المعقدة لعقود.
مهندس التنسيق الحكومي
منذ توليه منصب نائب رئيس الوزراء لشؤون مجلس الوزراء في عام 1994، لعب سموه دور “الدينامو” المحرك للعمل الحكومي. أشرف ببراعة على تنسيق السياسات بين الوزارات المختلفة، وضمان تنفيذ الخطط التنموية والخمسية التي نقلت عمان إلى مصاف الدول الحديثة. وقبل ذلك، وضع بصماته الواضحة في مجالات عدة؛ من الخارجية إلى الإعلام والثقافة، وصولاً إلى الشؤون القانونية.
حضور دولي وازن
على الصعيد الخارجي، كان السيد فهد وجهاً مألوفاً ورصيناً للسلطنة في القمم الخليجية والعربية والدولية. عُرف بدبلوماسيته الهادئة وقدرته على تقريب وجهات النظر، مجسداً النهج العماني القائم على السلام والحوار. كما كان له دور محوري في تعزيز العمل الخليجي المشترك من خلال رئاسته للجان العليا لمؤتمرات مجلس التعاون.
إرث تعليمي وثقافي
آمن سموه بأن بناء الإنسان هو أساس بناء الأوطان، فترأس مجلس جامعة السلطان قابوس، وكان داعماً كبيراً للحراك الثقافي، حيث ترأس اللجنة العليا لدار الأوبرا السلطانية، مؤكداً على أهمية الفنون والقوة الناعمة في مد جسور التواصل بين الشعوب.
شهادات في “رجل الحكمة“
وفي أولى ردود الفعل، وصف دبلوماسيون ومسؤولون عمانيون رحيل السيد فهد بن محمود بأنه “خسارة لقامة وطنية فذة”. وصرح أحد المقربين من دوائر صنع القرار قائلاً: “كان سموه مدرسة في الانضباط والهدوء؛ يمتلك قدرة فائقة على استيعاب أعقد الملفات الإدارية والقانونية، وكان يؤمن بأن العمل الصامت هو الأقوى أثراً في بناء الأوطان”.
التوازن بين الأصالة والمعاصرة
تميزت مسيرة سموه بقدرته الفريدة على الجمع بين التمسك بالهوية العمانية الأصيلة وبين الانفتاح على العصر. ومن خلال رئاسته للجنة العليا لدار الأوبرا السلطانية ومجلس جامعة السلطان قابوس، استطاع أن يترجم رؤية القيادة في جعل عُمان منارة ثقافية وتعليمية تربط الشرق بالغرب، مؤكداً في خطاباته الدورية على أن “الشباب العماني هو الرهان الحقيقي للمستقبل”.
بصمة اقتصادية وتشريعية
وعلى الصعيد الداخلي، يُسجل للسيد فهد إسهامه الكبير في تطوير المنظومة القانونية للسلطنة خلال فترة توليه منصب نائب رئيس الوزراء للشؤون القانونية (1979-1994)، حيث وضعت في عهده اللبنات الأولى للعديد من القوانين والأنظمة التي نظمت عمل مؤسسات الدولة الحديثة، كما كان لسموه دور محوري في إدارة الأزمات الاقتصادية وتجاوز التحديات العالمية بفضل رئاسته للجان التخطيط العليا.
رحيل مدرسة في الوفاء
ترحل هذه القامة الوطنية بعد مسيرة حافلة عاصر خلالها عهدين تاريخيين؛ عهد السلطان الراحل قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه- وعهد السلطان هيثم بن طارق -حفظه الله-، ظل خلالهما مثالاً للمسؤول المخلص والقيادي المتواضع الذي لم يبتغِ سوى رفعة عمان واستقرارها.
رحل السيد فهد بن محمود تاركاً خلفه سيرة عطرة، وتاريخاً يدرس في الإدارة الحكومية والدبلوماسية الرفيعة.
وبوفاة السيد فهد بن محمود، تفقد عُمان والمنطقة العربية مدرسة في الإدارة والسياسة، ورجلاً نذر حياته لخدمة وطنه بكل أمانة واقتدار


