هل يطول الانتظار؟

ما أكتبه اليوم ليس تقييماً كاملاً شاملاً ويُمكن اعتباره جردة حساب سريعة لاستخلاص عبرة مُهمّة.
لا بدّ من الاعتراف بأن الحكومة الكويتية في مجالات السياسة والأمن والخدمات أبلت خلال فترة الاعتداء الإيراني الآثم على بلدنا بلاء حسناً، بل تقدّمت عن غيرها في هذه المجالات… كانت خليّة عمل لا تهدأ ليل نهار واجتماعاتها في انعقاد دائم.
في السياسة، التزمت الكويت خطّاً مُميّزاً بُني على الإرث التاريخي الذي كان بحقّ مدرسة في العلاقات الإقليمية والدولية إنّما مع ضوابط أكثر والتزام أكبر. سياسة مُتّزنة لا انحيازات فيها ولا أدوار منفردة ولا تغريد خارج السرب. سياسة مُتعاونة مع الأشقاء بروح الأسرة الواحدة. سياسة النأي بالنفس عن الخلاف والشّقاق والسعي دائماً لوحدة الكلمة وتجميع الصفوف.
وفي الأمن، تُرفع العُقل والرؤوس والأيادي لقُواتنا المُسلّحة من مُنتسبي الجيش والداخلية والحرس الوطني والمُؤازرين من إطفاء ودفاع مدني. لقد سطّر هؤلاء بالشهادة والتضحيات والسهر والعرق والتعب واليقظة أجمل فصول الفِداء ولولاهم لكانت المصائر أشدّ إيلاماً والخسائر أعظم.
وفي الخدمات، كانت عين الحكومة ساهرة لخدمة الناس ليل نهار. تأمين المواد الغذائية والطاقة والكهرباء والماء والاستشفاء. مرّت الأيام ولم يشعر المُواطن والمُقيم بأيّ أزمة، حتى عندما كانت المُسيّرات تضرب المُنشآت الحيوية فتقطع الكهرباء حيناً والماء أحياناً تستنفر الأجهزة المعنية كلّ طاقتها وبسرعة لإعادة الأمور إلى نصابها.
إذاً، في السياسة والأمن والخدمات كان الكويتيون يعرفون الخط والمسير. واتضح أن الوصفات التي تعاملت معها الحكومة تنفع أيام السلم وأيام الحرب. كلّ شيء واضح ومُؤمّن رغم بعض الهنات الهينات كما يُقال… إنّما معالم التعاطي في هذه المجالات معروفة ويُمكن التكهّن بها نتيجة الخبرات التي فرضتها الظروف.
ولكن… ودائماً «ولكن» مرتبطة بالعنصر الأساسي الذي لا حياة للكويت من دونه، ماذا عن الاقتصاد وخرائط طريقه؟ هو العنصر الأهمّ في مُعادلة البقاء والاستمرار والحاضر والمُستقبل ومع ذلك فمساراته غير واضحة وغير مفهومة ويصعب كثيراً التكهّن بها.
في ظلّ الأزمة مثلاً، لم نتمكّن من بيع نفطنا في بلد ما زال نفطه للأسف مصدر دخله الوحيد… ما أربك الإنتاج والمُوازنات والتقديرات وبناء الخُطط على قياس الأسعار التي اضطربت واضطربت معها سياسات الدول المُنتجة والأسواق العالمية.
وفي ظلّ الأزمة وما قبلها، مُعادلتنا الدائمة هي توظيف الجميع في إدارات الدولة وتأمين أماكن ورواتب لهم. وهذا التأمين تُوفّره عائدات النفط. والعائدات يُمكن أن تتقلّص كثيراً في ظروف كالتي عشناها ونعيشها، لذلك نلجأ إلى التعويض من احتياطي الأجيال. أي أنّ الأمر أشبه بتدابير مُوقّتة وفق مبدأ المداورة الاضطرارية، والاضطرار بطبيعة الحال ليس خُطّة وليس مساراً.
وما بين المدخول الأساسي والمصروف الأساسي، نظرة سريعة إلى الحالة العامة للشركات والمُؤسّسات التجارية الكبرى والوسطى والصغرى، التي ما تعافت حتى الآن من أزمة كورونا… لكن موضوعنا هو المُستقبل وليس الماضي، الأمر الذي يفرض السؤال التالي: ما هي رؤية الحكومة للاقتصاد حاضراً ومُستقبلاً؟
من الواضح أن الاختلال في ميزان المصروفات سيفرض ضغوطاً كبيرة على الحكومة وقد يُعرقل حكماً التنمية. لذلك فالطريق الوحيد الذي يُساهم في تحويل العثرات إلى ثبات فإنجاز هو التعامل الجدّي المُختلف للحكومة مع القطاع الخاص كي يكون رافد أمان أساسياً لتكوين قواعد دفع إلى الأمام.
إذا تعاملت الحكومة مع القطاع الخاص برؤية مُعلنة ومُختلفة وحيوية ستستفيد على أكثر من صعيد. هذا القطاع يُمكنه في بيئة ثابتة أن يخلق فرص عمل أكثر ويستوعب أعداداً كبيرة من الكويتيّين في مُؤسّساته بدل الوظيفة الحكومية، وهذا القطاع إن توسّعت نشاطاته ستتوسّع المداخيل التي يُمكن أن يُؤمّنها لخزينة الدولة من ضرائب ورسوم مُقابل التسهيلات التي تمنح لنشاطاته وأعماله… وإن أحسن ترتيب العلاقة فالقطاع الخاص هو من سيُساهم في دعم الاقتصاد الوطني ولن يكون الطرف الذي يحتاج إلى الدعم.
ولنكن واضحين، المطلوب رؤية تعاونية حكومية مع القطاع وليس دعماً وفق الصورة النمطية، فالحكومة ليس دورها أن تُدير شركات إنما هي تتولّى إدارة الدولة، والقطاع الخاص لا يُدير دولة وإنما يُساهم بشكل رئيسي في مشاريعها التنموية وتثبيت مكانة اقتصادها وحالتها المالية… نُريد فقط أن نعرف رؤية الحكومة في ما يتعلّق باتجاهات الاقتصاد الكويتي؟ ما هو المسار وكيف هو المسير؟ كيف تتنشّط دورة المال؟ تفعيل برامج التنمية؟ والأهم العلاقة مع القطاع الخاص ودوره ومُساهماته.
عِشنا في الكويت بين «رأيين»: الأول يعتبر أن وظائف الحكومة الاقتصادية يجب أن تتقلّص تماماً تيمّناً بتجارب الدول المُتقدّمة ونظراً للعثرات البيروقراطية. والثاني هدفه «شيطنة» القطاع الخاص واتهامه بالسيطرة والاستحواذ والمصالح الشخصية. نريد أن نعيش خارج هذين الرأيين وننتظر من الحكومة أي السلطة التنفيذية رؤيتها لشراكة هدفها الأول والأخير مصلحة الكويت والكويتيّين.
نتمنّى ألّا يطول الانتظار؟
جاسم مرزوق بودي
الري 10 مايو 2026



