بهبهاني يكتب: الثاني من أغسطس.. عندما تصنع المحن صلابة الإرادة..ويسطر صمود الشعب الكويتي ملحمة التحرير

بقلم : أحمد اسماعيل بهبهاني
عندما نستعيد ذكرى الثاني من أغسطس عام 1990، للغزو العراقي الغاشم ، فإننا لا نلتفت إلى الماضي رغبةً في «الوقوف على الأطلال»، أو نكأً لجراح الغزو وآلامه، بل ننطلق من وعيٍ أصيل بأن الشعوب الحية لا تسقط تاريخها من ذاكرتها؛ بكل ما فيه من محنٍ ومنح، وانكساراتٍ وانتصارات.
إن استحضار ذكرى الانكسارات والمحن لا يستهدف جلد الذات أو القسوة على النفس، بل يرمي بالأساس إلى استخلاص الدروس والعِبر، وبناء رصيدٍ معرفي ووطني يُثري الحاضر ويؤمّن المستقبل.
وإذا كان الثاني من أغسطس قد شَكَّل محنةً استثنائية للكويتيين، فإنه في الوقت ذاته كان الاختبار الأهم؛ إذ كان الغزو العراقي الغاشم مرآةً صقيلة كشفت عن المعدن الأصيل للشعب الكويتي، وصلابة إرادته، ووحدة صفه، وقدرته على مواجهة أعتى المخاطر والخروج منها أكثر قوة وتلاحماً. ولم تكن المقاومة مجرد رد فعل عسكري أو شعبي، بل كانت تعبيراً عن عقيدة وطنية راسخة ترفض الوصاية والاحتلال..
إن قراءة التاريخ بوعي تؤكد أن الانتصار العظيم للكويت وتحرير ترابها لم يبدأ مع انطلاق حرب التحرير في يناير 1991، ولا مع تتويج هذا النضال بالتحرير الفعلي وعودة الشرعية في فبراير من العام نفسه بدعمٍ مشهود من الدول الشقيقة والصديقة؛ بل إن نقطة الانطلاق الحقيقية للنصر تشكّلت في اليوم الأول للغزو، وتحديداً في 2 أغسطس 1990.
في ذلك اليوم، وُضِع حجر الأساس للتحرير من خلال الصمود الباسل، والمقاومة الوطنية الشجاعة، والتضحيات الجسام التي قدمها مئات الشهداء الذين سقوا بدمائهم الزكية ثرى الوطن، فضلاً عن الأسرى والمفقودين الذين ضربوا أروع الأمثلة في الثبات.
كما تجلّى ذلك النصر في الاصطفاف الوطني الصلب الذي أفشل كافة محاولات المحتل لبث الفتنة أو اختراق الجبهة الداخلية.
لقد قدم الشعب الكويتي نموذجاً فريداً في الانتماء والوعي السياسي؛ إذ أثبتت الأزمة أن أبناء الكويت قد يختلفون حول قضايا فرعية أو أمور تفصيلية، لكنهم يتوحدون كالبنيان المرصوص حول المبادئ والقيم العليا، وفي مقدمتها سيادة الوطن، وحرمة ترابه، والتمسك بوحدته الوطنية.
ولا يمكن لذكرى التحرير أن تكتمل دون الإعراب عن عميق العرفان والتقدير للمواقف التاريخية والدعم الحقيقي من الدول الشقيقة والصديقة، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، وجمهورية مصر العربية، والولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة ، والتي وقفت بحزم إلى جانب الحق الكويتي في ملحمة دولية وإنسانية لن ينسى الشعب الكويتي أثرها أبداً.
ختاماً.. إن قوة الأوطان لا تُقاس يوماً بحدودها الجغرافية، بل بعمق انتماء أبنائها وسُموّ إرادتهم.
لقد أثبتت المحنة أن الاختلاف في الآراء داخل البيت الواحد هو مظهر عافية ودليل حيوية، لكن التراب الوطني يبقى دائماً خطاً أحمر لا يقبل المساومة ولا التجزئة.
وستبقى ذكرى الثاني من أغسطس علامة فارقة تُذكّر الأجيال بأن الكويت عصية على الكسر، وأن وحدة شعبها هي الدرع الواقي والضمانة الخالدة لحاضرها ومستقبلها.
حفظ الله الكويت وشعبها الكريم من كل سوء.



