فراس فهد أبو شعر أبهر العالم في «بيركلي»: ترعرعت في بيتي الكويت

استطاع الشاب السوري الذي نشأ وترعرع في الكويت فراس فهد ابو شعر، ان يجذب انظار العالم اليه وهو يلقي كلمته ممثلا زملاءه الخريجين في جامعة يو سي بيركلي العريقة، وسط حشد من مسؤولي الجامعة والطلبة وأهالي الخريجين، لتشكل كلمته خريطة طريق شبابية في بلوغ الطموحات، بعد تحديد مكامن القوة والعزيمة على النجاح وتحقيق التغيير.
اعتلى فراس منبر خطباء حفل التخريج، وألقى هذه الكلمة:
كم أنا محظوظ للغاية كوني أتخرج اليوم… في زمن نشهد به الحظر يتزايد… والحواجز تعلو.. والرسوم الدراسية ترتفع.
إنني أدرك تماما أنني ما كنت لأقف اليوم هنا أمامكم لو لم تكن الفرصة قد سنحت لوالدي الشاب السوري عندما كان في مقتبل عمره للتحرر من الظروف الصعبة والحصول على فرصة التعليم في ألمانيا، الفرصة التي أوصلتني إلى هنا، وأحدثت تحولا كبيرا في حياتي وحياة عائلتي.. هذه الفرص التي تجذب بالعديدين إلى شواطئها.. رغم تقلصها بشكل متزايد يوما بعد يوم.
ترعرعت في بيتي.. الكويت.. ولطالما كنت دائما أتذكر الأخبار اليومية.. تروي قصة حياتي.. وكان والداي قد ابتكرا فكرة بارعة لتشغيل قناة «سي إن إن» كمنبه لنا في الصباح.
وبما أن منطقة الشرق الأوسط لم تكن تخلو من الأزمات السياسية، ما جعل أحداثها تتصدر الأخبار الصباحية عند الساعة السادسة، فأصبح هذا أسلوبا مضمونا وفعالا لإيقاظنا للمدرسة. كان والداي يخفيان ريموت التلفاز، ما يجعل ضجيجه مستديما ولا يمكن تحمله، بحيث لم يكن لدينا أي خيار سوى الاستيقاظ والنهوض من السرير.. صوت صفارات الإنذار يعلو.. فأيقظنا من نومنا.. وأيقظ وعينا للعالم.. لتتولد لدينا «رغبة قوية» لوقف صفارات الإنذار وتغيير عالمنا.
ذات صباح، أمسكت بالريموت، وأغلقت جهاز التلفاز فجأة.. في شكل انقلاب قصير الأجل للسيطرة على تلك الهيمنة التي لا نهاية لها والتي تقتل أحلامنا في مهدها. وكشاب ثوري أعلنت من ميدان صالة جلوسنا، وأمام جمهور كبير.. ألا وهو.. «جدتي».. «أريد إحداث التغيير.. لا يمكن أن يستمر هذا الحال!»
لكن الوقت يمر، والأمور تراجعت.. وسيطرت هيمنة التلفاز.
تابعت قبل التحاقي بالجامعة بعضا «من مشاهد التلفاز.. سورية موطن أبي يغرق في البحر.. بحثا عن ملاذ بين اللاجئين، بحثت في الشاشات عن رواية حية عن الأمل والتفاؤل في الحياة لكي أتشبث بها، فلم أشاهد في الخلفية سوى تصاعد موجة رهيبة من الراديكالية والعنصرية والقومية ـ بشتى أشكالها ـ تشد عالمنا إلى الوراء.
ومع اتساع إدراكي ووعيي لهذا العالم، تقلص شعوري بالإمكانية.. كان لي هدف.. وكانت لي رغبة في إحداث فارق.. ولكن بعد أن خسرت بلدين في الحرب ـ سورية موطن أبي وفلسطين وطن أمي، هل مازال بإمكاني إحداث أي تغيير؟
كيف يمكنني ذلك؟ وانطلاقا من أي منبر؟
وفي خضم بحر من الشكوك الداخلية، عبرت المحيط الأطلسي ووطئت قدماي هذه الأرض حاملا على ظهري حقائب من الأحلام الندية.
عندما وصلت إلى بيركلي، قادما لأول مرة، حرص والداي، وهما لا يكادان يصدقان أنني تجاوزت التدقيق الصارم لسلطة مراقبة حدود مكتب تسجيل جامعة بيركلي، على التقاط صور عديدة لي بجانب تمثال الدب الذهبي «جولدن بير ـ رمز جامعة بيركلي»، الذي كان بالنسبة لهما، تمثال الحرية، الذي يحررهما من خوفهما وقلقهما المستمر على مستقبلي.. هناك، وقفت وأنا الشاب الأصغر بأربع سنوات من الآن والقادم للتو إلى بيركلي، احتضن الدب احتضانا شاملا، وأجهل المستقبل الذي سيواجهني، ولكني منجذب نحو بريق الأمل الذي لاح لي من ثنايا اللوحة الإرشادية «مرحبا بكم في أرض الفرص».
أربع سنوات مضت على اكتشاف هذا العالم الجديد، لقد عشت وأدركت ورأيت ما يجذب الناس إلى هذه الشواطئ.
هذا المكان الذي رحب بنا واحتضن تنوعنا واختلاف ثقافاتنا، ليس لأننا مسلمون أو مسيحيون أو يهود أو سيخ ولا على أساس طبقتنا أو عقيدتنا أو عرقنا… بل قيمنا على أساس إسهاماتنا وكفاءتنا وإثرائنا لهذا المجتمع، بينما في هذه الأثناء، نشهد في كل أنحاء العالم التعصب خلف ستار الوطنية.. والانقسام تحت عباءة الدين.. بذريعة بناء الاوطان وصون وحماية الاديان… ما يثير في الناس الخوف والعنف والكراهية.
هنا، تعلمنا وتمكنا من التفكير بحرية.. والطموح والتطلع بحرية.. بأفكار تمكننا من تغيير عالمنا بدلا من «التسليم بالواقع».
وكنت دائما أبحث في شاشات التلفاز عن رواية حية جديدة للتحرر من هيمنة الخوف المستمر.. الذي فرض نفسه علي.. وتمكنت من الاستلهام من تجربة مارتن لوثر كينغ بالضغط باستمرار على المؤسسات من الخارج حتى أعاد تشكيلها من الداخل.. فقد حطمت هذه الأفكار قيود العقل وحررتنا ومنحتنا الجرأة على خلق فكر مختلف، وأن نكون أصحاب مبادرة بدلا من أن نكون أسرى الواقع!
لقد وضعوا الريموت في يدي.. في أيدينا.. مرة أخرى لنتحكم في قصة حياتنا!
أحد أصدقائي في مكان مختلف تماما من العالم، طلب منه طرح رأيي عن امتحان، وما إن قدم رأيه حتى جاءه الرد من خلال إشارة خطأ كتبت بخط عريض «X»، وتساءل: كيف يمكن أن يكون خطأ وهذا هو رأيي؟ «فكان الجواب» هذا رأيك، لكنه ليس الرأي الذي نبحث عنه.
ومع تكرار هذا المشهد ما أصبح ظاهرة تشهدها الفصول الدراسية في دول مختلفة.. ومن خلال القيود المفروضة على الإعلام بها.. في الأماكن التي تفرض الفكر بدلا من تعليمه.. وتقيد الحريات.. وهذا ما يسلب جوهر القيادة من القادة، وإبداع الفكر من المفكرين، وبراعة الابتكارات من المخترعين.. إنه يقوض مفهوم السياسة واقتصاديات الابتكار.
وكم كان هذا الفارق عن تجربتي في قسم الدراسات الدولية.. وعن بيئة النقاش الحيوي في صف البروفيسور بارتو حول دول الخليج والذي يجمع الرأي والرأي الآخر مع تنوع أعضاء فرقة المناقشة من ليبرالي ساخر إلى ناشط محافظ، وهي بيئة حفزت النقاش الحيوي بدلا من إسكاته، لقد رأيت من خلال تواجدي هناك أن هذا هو المكان الذي تتبنى فيه الديمقراطيات.. والمجتمعات الحرة… أو الديكتاتوريات… في فصولنا الدراسية، قبل مؤتمراتنا… حتى في أصغر الحلقات.
وفي كل يوم، يخلق تعليمنا «إمكانية الوصول» إلى فكرة تغيير العالم، التي لم تكن تقتصر على أبراج العاج، أو هرم السلطة، ولكن مفتوحة لنا جميعا للتفاعل والمشاركة. ويتأكد لي كل يوم أننا لسنا بحاجة إلى مساحات كبيرة لتحقيق انجازات كبيرة.. على غرار أولئك الذين وقفوا على أرصفة مطار ومول واشنطن الوطني، وتظاهروا خارج هذه القاعات، محولين أصغر المساحات إلى منصات ومنابر قوية يشاهدها العالم ويستمع إليها.. وهي المنابر التي تشكلت انطلاقا منها الثقافة والضمير والقانون! ويزداد شعوري بالقوة وأنا محاط بكل هذا الإرث، ففي كل يوم يتضح لي أن منصات القوة تكمن فينا لتغيير العالم.. إننا «نحن الشعوب» أقوى منصات! وان الأمم تكمن في العبارة الخالدة «نحن الشعوب»!
وفي عالم يستدعي المواطنة النشطة والمسؤولية الشاملة… كان هذا المكان يقظا بحقيقة هذا العالم ومشاركا في قضاياه… حاضرا بين الطلاب الذين لم يدخروا جهدا في السعي إلى تحقيق مُثلهم العليا.
لقد وقفتم هنا على منبر سبرول تناصرون القضايا العادلة عندما التزم مجلس الأمن الصمت… مؤكدين أن هذه ليست «مشاكل الآخرين» بل هي تحدياتنا المشتركة لأنها تؤثر على عالم أوسع نحن جزء منه! فقد وقفنا ضد التمييز العنصري، والحرب، ولأجل الحقوق المدنية… نحن الصرخة الأبدية من أجل التغيير ـ روزي وروزا ومارتن وماريو ـ والقيم التي كافحوا من أجلها!… حريصون على العدل والإنصاف في هذا الحرم الجامعي النابض بالتطلعات لبلوغ الهدف المنشود!
هذه الأشياء هي التي تضفي على هذا المكان عظمته التي يستحقها… وهي التي تجذب إليه المواهب، سنة تلو الأخرى، في رحلة محفوفة بالمخاطر عبر البحار سعيا لتحقيق حلم بيركلي. وهكذا تجسدت هذه الفرصة بفضل تضحيات كوكبة من الناس تسلحوا بالأفكار وتجارب النجاح… مؤمنين بقيم المساواة.. الحرية.. والعدالة.. هذه الأشياء مجتمعة هي مصدر نجاحنا… وهي الأكثر عرضة للتهديد في عالمنا اليوم.
4 سنوات مرت وما تبعها من اختبارات المواطنة التي لم أكن متأكدا من أنني سأجتازها، انتقلنا فيها من وضعية المهاجرين… إلى المواطنين الذين يحملون قيم المكان… والآن نغادر هنا ونتوجه إلى العالم… دعونا نجعل هذه المبادئ أسسا وميثاقا نبني عليها عوالمنا..
ستكون التحديات كبيرة لكننا لا نستطيع أن نسمح لهم بطمس مثلنا وقيمنا في غياهب الخوف…
عندما وصلت إلى هنا، كان إيماني بقدراتي على احداث التغيير محدودا ومحصورا..
واعتقد انه كان علي الانتظار لزمن آخر وأنطلق من بلد ما… فكرت مليا ثم تساءلت: انطلاقا من أي منبر؟ على أنقاض وحطام أي بلد؟ لقد منحني هذا التعليم وطنا، وخلق وطنا في ذاتي، هو هذا الفكر… الذي مكنني من ان أواجه تحديات العالم!
لقد خلق هذا المكان منبرا قويا في ذاتنا ـ أكد لنا أن علينا ان نجد صوتا قويا في داخلنا لكي نتعدى من خلاله الحدود والحواجز والدول التي تحاول أن تحصرنا والانطلاق إلى العالم مع جوازات سفر الكفاءة والقدرات… لتجاوز الفوارق… لإيجاد طريقنا رغم وجود الجدران… لبناء الجسور التي تتخطى الحدود… لتصور عوالم جديدة، عندما تفشل القديمة منها… كما منحني هذا المكان شيئا أقوى بكثير من مجرد البلد ـ لأن البلدان قد تحتل وتغلق مؤسساتها، لكن لا يمكنهم أن يسلبوا تعليمنا – هذه العوالم المرنة التي تنهض في ذاتنا والتي بفضلها يمكن ان نعيد بناء البلدان المدمرة وفتح المسارات المغلقة!
أقف اليوم أمامكن على هذه المنصة، بل يقف كل منا بدوره عليها، وتحديدا في المنبر القوي الذي منحنا التعليم لجعل اصواتنا مسموعة وذات تأثير على عوالمنا! وتعبيرا عن شعوري الحقيقي والصادق أكثر من أي وقت مضي، قمت باحتضان الدب الذهبي «جولد بير»، رمز هذا المكان… دعونا نبادر باستخدام هذه القوة الهائلة للتمكين والتعزيز… دعونا نبادر باستخدام هذه الميكروفونات لإبراز صوت من لا صوت له… ودعونا نسارع في استخدام هذه الأضواء لإلقاء الضوء في الظلام… فلنضئ الأنوار ونخلق مسارا للكثيرين حيث لا يوجد شيء… وهذا المسار الذي سمح لأبي أن يكون.. ولي شخصيا أن أكون… وهذا ما يمثل جزءا كبيرا من قصتنا الجماعية، الولايات المتحدة ـ البيركلية!

