المقالات

ما يحكّ ظهيرك

أهل الكويت عندهم مثل جميل وعميق يُترجم مبدأ الاعتماد على النفس أولاً في كلّ المراحل وهو «ما يحكّ ظهيرك إلا ظفيرك».

تذكّرت هذا المثل، مع تسارع التطوّرات والمُفاجآت والأحداث منذ بدء الحرب في منطقتنا. تذكّرته ليس من باب التغنّي به بل من باب استخلاص العِبَر والدروس… وما أكثرها.

بالصّراحة المعهودة، يبدو أنّنا ككويتيّين استفدنا شيئاً من دروس الغزو ولم نستفد الكثير. لن أتكلّم عن الأوضاع السياسية بعد التحرير التي مهّدت الأرض لانقسامات وخلافات وسجالات واستيراد أفكار لا تشبه تاريخنا ومُجتمعنا، بل عن مبدأ الاعتماد على الذات لمُواجهة مُختلف التحدّيات.

أثبتت الأزمة الحالية بعد اندلاع حرب وارتفاع صوت المعارك وتعرّض دولتنا الحبيبة لاستهدافات آثمة من إيران، أنه ما حمى الكويت بعد الله سبحانه وتعالى وحفظها من صواريخ ومُسيّرات العدوان إلّا سواعد أبنائها، رجال القوات المسلحة الشرفاء وتحديداً أبطال الدفاع الجوي الذين أثبتوا بما لا يدع مجالاً للشكّ أن واحدهم بألف. هؤلاء الرجال الذين صمدوا في الصحاري تحت رحمة مناخات قاسية لم تغمض عيونهم لحظة خوفاً على الكويت وأهلها وأرضها. وبحسبة دفاعية مدروسة للتصدّيات التي تمت يتّضح مستوى الاحتراف عند هؤلاء الأبطال وهو احتراف قائم فعلاً على مبدأ التضحية والفداء.

كلّ أجهزة ومُؤسّسات الدفاع عن الدولة وشعبها من داخلية وحرس وطني وإطفاء ودفاع مدني وقطاعات الصحة والأمن الغذائي تُرفع لهم العُقل على أدائهم، إنّما كان لأبطال الدفاع الجوي دور ريادي اعترف به العدوّ قبل الصديق.

من دروس ما حصل، كشفت التطوّرات أن الدفاع عن الكويت يتم أساساً من خلال أبطالها في الصفوف الأمامية من قطاعات عسكرية وأمنية وصحية وغذائية.

وأنّ المطلوب توفير أفضل أنواع التسليح والتجهيز لهؤلاء الأبطال وخصوصاً في قطاعات السلاح الجوي والدفاع الجوي… هي قطاعات تحتاج دعماً فورياً ووفق أحدث الأسلحة. إضافة إلى منح هذه القطاعات الأولوية في الاهتمام والتطوير والتحديث والتدريب وتزويدها بكلّ الإمكانات التي تحتاجها من حيث العدد والعديد، مع تشجيع الشباب ودعوتهم للانضمام إلى هذه القوة حتى تُصبح بحقّ «قُوّة النخبة» الأساسية من أبناء الكويت في الجيش.

وأنّ سياسة صفقات التسليح التي اعتمدت منذ ما بعد التحرير، مرّة بحجّة الصداقة وأخرى كونها «فاتورة سياسية»، وثالثة من نوع المُجاملات لشراء صوت في الأمم المتحدة، ورابعة لأسباب لا داعيَ لذكرها… هذه السياسة يجب أن تتوقّف ويتوقّف معها مبدأ «الإرضاء السياسي» لربط أيّ صفقة بالحاجة الفعلية لها ومُباشرة من دولة لدولة ومن دون وسطاء كي لا نغرق في روائح العمولات.

وأنّ الأوان آن لإعادة النظر بالسياسة الخارجية الكويتية، وهيكلة علاقاتنا بالكثير من الدول وإسنادها على مبدأ «الصّديق وقت الضّيق». علاقتنا مع بعض الدول يجب أن تكون وفق المصالح المُتبادلة لا وفق مبدأ الأخذ فقط من دون العطاء. وما حصل أثبت أن دولاً لم تكن في حسبان التحالفات الإستراتيجية للكويت بادرت وساعدت في دعم منظومة التصدّي للمُسيّرات بحكم خبرتها في ذلك، وأن دولاً أخرى ترجمت فعلاً مبدأ الصداقة التاريخية مع الكويت من دون ضجّة وإعلان وكانت حاضرة بمنظومتها الصاروخية الحديثة.

وأنّ ما حصل مع العراق وعدم قدرة دولته على ضبط «دويلاته»، وما أفرزته التطوّرات العسكرية بشكل عام، واستمرار الاستهدافات للكويت من فصائل تستعرض علناً وتتباهى بإرسال صواريخ ومُسيّرات، أمور تفرض، إلى جانب الحزم السياسي، تطوير منظومة استخبارات قويّة، لأنّ النيّات والتصريحات المُعلنة والتطمينات لا تكفي، وليس عيباً أن نقرأ تجارب دول أخرى صديقة ومعادية في كيفية تطوير منظومتها الاستخباراتية التي سيطرت عملياً على محاور إقليمية ودولية واخترقت ملفات واستبقت سياسات أمنية كان من الممكن أن تُكلّفها الكثير.

وأثبتت التطورات أيضاً وأيضاً أن المُراوغة في هذه الحرب صارت حرباً بحدّ ذاتها، وأن البناء على ما هو غير مُعلن ومُبطّن أجدى من الركون إلى المُعلن. وأن الكذب صار سلاحاً معنويّاً مُصاحباً للعدوان، وآخر الأمثلة على ذلك أن الكويت تعرّضت لصواريخ ومُسيّرات إيرانية أول من أمس وأول أيام العيد بحجّة أن مُقاتلات أميركية انطلقت منها، وهذا كلام لا يقبله منطق ولا يُصدّقه عقل، فدولة الكويت أكّدت مراراً وتكراراً أنها لم تسمح للطيران الأميركي بالانطلاق منها وهو أمر معروف في دوائر الرصد المعنية، كما أن الاستهدافات الأميركية أصابت مواقع إيرانية في أقصى جنوب الخليح، أي أبعد مكان عن الكويت، وحاملات الطائرات الأميركية تبعد 200 ميل فقط عن إيران.

ولأن ظهرنا لا يحكّه سوى ظفرنا، علينا ترتيب الأولويات مُجدّداً في ضوء الدروس التي تعلّمناها. خصوصاً في العهد الحالي، عهد صاحب السمو الأمير الشيخ مشعل الأحمد، الذي أعاد وضع ملف التسليح في إطاره المطلوب. عهد يُؤمن بأنّ التحرّكات السياسية والخُطوات الدفاعية هدفها أولاً وأخيراً حماية الأرض والعرض والناس. عهد يُؤمن بأنّ المُجتمع الآمن يحتاج إلى منظومة عسكرية وأمنية فاعلة. عهد يحتضن جميع أبنائه ولا يتسامح مع دعوات الفُرقة والانقسام لأنه يعرف أن عدم الاعتصام بحبل الوحدة هو هدف «عسكري» للمُعادين.

اللهمّ ظلّل الكويت دائماً بحمايتك وانصر أبطالها الذين أبقوا بتضحياتهم علم الكويت خفّاقاً ورؤوسنا مرفوعة.

مروان جاسم بودي

الراي 2 يونيو 2026

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى