المقالات

الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني.. في جنات الخلد

هزتني ألماً الاخبار وهي تتكاثف حول وفاة المغفور له الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الأمير الوالد، عن عمر لم يتعد الرابعة والسبعين، جاءت وفاته مفاجئة لنا، فلم نسمع من قطر بأن المرحوم يشتكي من متاعب، فقد كان دائماً مهموماً بقضايا الوطن ومسؤولياته في توفير ضمان الأمن لمسيرته. جاءت إرادة الخالق فلا راد لتوجهاته.

عرفت الوالد الشيخ حمد بن خليفة عندما كان وزيراً للدفاع فاقتربت منه مستمعاً الى ملاحظاته حول لقاءات وزراء الدفاع في مجلس التعاون.

جاءت أول إشارة في سجل الملاحظات بضرورة تأكيد حسن النوايا، وضرورة معالجتها ثنائيا بين الاطراف المعنية. كانت هذه نصيحته وكان صريحاً في تصوراته بأن مجلس التعاون ينطلق بقوة عندما تتمكن الدول الأعضاء من تجاوز اي خلافات، ان وُجدت، وحافظ على موقفه واصراره بأولوية العبور بحلول مقبولة تؤكد نجاح مجلس التعاون، كما وضع أمامي عقدة الحدود في شل قدرة مجلس التعاون على الانطلاق، ولم أدخل في تفاصيل تصوراته لأن الوضوح كان بارزاً في إصراره على أثقال خلافات الحدود وأنها تؤذي جهود المجلس في التحرك.

كانت أولويات الشيخ حمد بن خليفة الاصرار على العلاج المرضي لعقدة الحدود المتواصلة في تعطيلها لمسيرة الانفتاح والانطلاق.

ورغم هذه الحالة التي تصورها قد تقف في وجه مجلس التعاون، فقد واصل الشيخ حمد بن خليفة تعليقاته عن لائحة الآمال التي يراها ضرورية لبناء القاعدة الصلبة لمستقبل مجلس التعاون، ويردد بالضغط الدائم على دور الصراحة والوضوح في العلاقات الثنائية التي تربط دول المجلس في وحدة عمل مضمونها ومحتواها الصدق والصراحة. وغير ذلك كان الشيخ حمد بن خليفة يكرر بأن النجاح الجماعي مطلوب، لكنه لا يتحقق من دون متانة الثقة والاحترام بين الدول الأعضاء. ورغم طرح هذه الديباجة والمقدمة التي يجب أن تزين طريق عمل المجلس، يواصل الشيخ حمد بن خليفة أسئلته عن الكويت وبشيء من الثناء على اتساع صدرها للصخب السياسي الذى يدور داخلها. ومن هذه البداية بقي الشيخ حمد بن خليفة وفياً لاهتماماته الكويتية، فلا تتوقف استفساراته عن الشأن الكويتي، واعلامها المثير.

ومن حسن الحظ أن الشيخ حمد بن خليفة يتمتع بخفة دم دائمة وروح مرحة ممتعة وبساطة مشيخية تتعايش فيها الجدية المصقولة بلطف الأمراء ومشاعر الاخوة الدائمة

وخلال عملي في مجلس التعاون ومن فضيلة التواصل والمشاركة في مؤتمرات الدفاع والقمم الخليجية والزيارات المتكررة وقفت على حجم الانشغال الذي يحمله الشيخ حمد بن خليفة حول آمال المستقبل في مسار دولة قطر، ولا أشك بأن المرحوم الشيخ حمد بن خليفة ينقل همومه القطرية في كل تحركاته ويعمل على اختيار أفضل المواصفات للتعامل مع طموحاته، وليس هناك جدل بأنه نجح في الوصول الى بعض ما يريده لقطر عندما أصبح أميراً حاملاً تبعات القيادة وممارساً حيوياً للمسؤولية للوصول بدولة قطر الى ما يريده من مكانة وانجاز.

وآخر ما أرى ضرورة ذكره في هذه المناسبة الحزينة إعجابي بقدرته على تنفيذ القرارات التي يرى فيها مزيداً من الاطمئنان على مستقبل قطر وعلى المزيد من لمعة وبهجة الصورة التي يستخرج بها قطر المستقبل.

فتح أبواب قطر للاستفادة من المؤسسات العالمية السياسية والاقتصادية والتعليمية والثقافية وخلق منها الموقع الدائم للاجتماعات واللقاءات الفكرية والسياسية وكل المسارات الانسانية، وتفرغ للإشراف العام على الشأن القطري بكل زواياه السياسية والاقتصادية والفكرية، وتخلى عن التزامات الحكم مراقباً تحركات قطر ومساهماً مؤثراً في حياتها.

ومن ملاحظاتي بأن كلاً من الراحلين الشيخ خليفة بن حمد وابنه الشيخ حمد بن خليفة كانا يصران على تأمين الموقع الملائم لدولة قطر في مسيرة مجلس التعاون، وعلى أن تتمتع مساهمتها بحقها في الاعتراف الواضح بما تعطيه، ولا جدل بأن هذا الأمر يتلاءم مع حق الجميع فلا يوجد الغموض في مسيرة المجلس، وكل ملفاته مفتوحة.

كما يشارك المواطنون في مجلس التعاون بحضورهم لمنتدى الدوحة الذي ينعقد سنوياً في العاصمة، ويشارك فيه مفكرون واعلاميون من مختلف دول العالم، بمن فيهم «دول مجلس التعاون» وأنا أحدهم.

أدخل الشيخ حمد بن خليفة الدوحة التي تنفتح منها الابواب للمناقشات الفكرية العالمية التي تغطي ما يشغل سكان العالم من مشاكل ومن أولويات، يتعرض المساهمون والمختصون من مختلف الدول اليها ويطرحون الحلول الممكنة لها مع ملاحقة ما يقدمه سكان العالم لمعالجتها، كما نجحت قطر في استضافة اللقاءات التي تجمع الدول الاسلامية، واتسعت أيضاً في نقل رسالتها الفكرية والانسانية الى الفضاء، عبر قنواتها التلفزيونية التي تنوعت في برامجها، لكنها التزمت بالأهداف والقيم التي تريدها.

رحم الله الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني وأنزله خير الزوايا في بقاع الجنة، وكل نفس ذائقة الموت، وإنا لله وإنا إليه راجعون، وعزائي الصادق الى سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، والى أولاد المرحوم الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، والى الأسرة الكريمة، وتبقى ملاحظة، فمن دون شك، قطر في ظل قيادة الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني تلاحق كل ما يفيد شعبها وأمتها ورسالتها الانسانية، وكل ذلك يتواصل مع الاعتراف التاريخي بحجم وتنوع التراث الذي تركه كل من المرحوم الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني والشيخ حمد بن خليفة آل ثاني. والجميع يتابع عطاء الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أطال الله في عمره، والعزاء لجميع أبناء قطر، أينما كانوا، والى كل من عرف الشيخ حمد وتفهم حجم طموحاته. إنا لله وإنا إليه راجعون.

عبد الله بشارة

القبس 19 يوليو 2026

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى