معرض العلمين الدولي 2026 .. منصة مصرية لصناعة المستقبل وحضور كويتي يعزز التعاون العربي

لم تعد المعارض الدولية الكبرى مجرد ساحات لاستعراض أحدث التقنيات، بل أصبحت منصات لبناء الشراكات، ونقل المعرفة، وجذب الاستثمارات، واستشراف صناعات المستقبل. ومن هذا المنظور، جاءت النسخة الثانية من معرض العلمين الدولي للطيران والفضاء 2026، المقامة تحت رعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس جمهورية مصر العربية، لتقدم نموذجاً لحدث يتجاوز العروض الجوية إلى فضاء أوسع يجمع التكنولوجيا والاستثمار والتعاون الدولي.
وشهد المعرض حضوراً دولياً واسعاً ومشاركة أكثر من 250 عارضاً يمثلون نحو 50 دولة، وأكثر من 100 طائرة، إلى جانب عشرات العروض الجوية والتي نالت إعجاب الحضور.
لكن أهمية المعرض لا تكمن في الأرقام وحدها، بل في قدرته على جمع المسؤولين وصناع القرار والشركات والخبراء في قطاعات الطيران والدفاع والفضاء، وفتح المجال أمام شراكات يمكن أن تمتد آثارها إلى ما بعد انتهاء الفعاليات.
وكان للكويت حضور مهم ومتعدد المستويات في المعرض، عكس عمق العلاقات المصرية–الكويتية وحرص البلدين على توسيع مجالات التعاون في قطاع الطيران.
فقد شاركت الهيئة العامة للطيران المدني الكويتية برئاسة الشيخ المهندس حمود مبارك الحمود الجابر الصباح، الذي التقى الدكتور سامح الحفني، وزير الطيران المدني المصري، وبحث الجانبان تعزيز التعاون وتبادل الخبرات وتطوير الجوانب التشغيلية في مجال الطيران المدني.
وامتد الحضور الكويتي إلى المجال العسكري، حيث شارك اللواء الركن طيار فهد فلاح الخرينج، آمر القوة الجوية الكويتية، والتقى الفريق طيار عمرو عبد الرحمن صقر، قائد القوات الجوية المصرية، في لقاء تناول أوجه التعاون وتبادل الخبرات في مجال الطيران.
كما كان للقطاع الخاص الكويتي حضوره، حيث التقى أحمد إسماعيل بهبهاني، الرئيس التنفيذي لمجموعة «سكاي» لخدمات الطيران، الدكتور سامح الحفني، وزير الطيران المدني المصري، على هامش فعاليات المعرض.
وأشاد بهبهاني بالمستوى التنظيمي والمشاركة الدولية، وبأهمية المعرض كمنصة للتواصل وتبادل الخبرات واستعراض أحدث التقنيات، وما يتيحه من فرص لفتح آفاق جديدة للاستثمار في قطاعي الطيران والفضاء.
وهذه اللقاءات تمنح المشاركة الكويتية دلالة مهمة؛ فهي تجمع بين الطيران المدني والتعاون العسكري والقطاع الخاص، وتؤكد أن العلاقات المصرية–الكويتية قادرة على الانتقال من التعاون التقليدي إلى مجالات مستقبلية تقوم على التكنولوجيا والاستثمار والمعرفة.
ومن منظور إدارة الجودة والتميز المؤسسي، يمثل قطاع الطيران نموذجاً واضحاً للصناعات التي ترتبط فيها التكنولوجيا بالجودة ارتباطاً وثيقاً؛ فسلامة العمليات، وإدارة المخاطر، والكفاءة التشغيلية، والابتكار والتحسين المستمر، كلها ركائز أساسية لبناء قطاع قادر على المنافسة.
ولذلك فإن النجاح الحقيقي للمعرض لا يقاس فقط بعدد الطائرات أو الشركات المشاركة، وإنما بقدرته على تحويل اللقاءات إلى شراكات، والتكنولوجيا إلى معرفة، والفرص إلى استثمارات مستدامة.
ويكتسب الحدث دلالة خاصة من انعقاده في مدينة العلمين الجديدة؛ فالمدينة التي ارتبط اسمها تاريخياً بالحرب تقدم اليوم صورة مختلفة، عنوانها التنمية، والتكنولوجيا والسياحة والاستثمار.
وكأن العلمين تنتقل من ذاكرة الماضي إلى صناعة المستقبل.
وفي ظل التطور السريع للذكاء الاصطناعي والطائرات غير المأهولة والأقمار الصناعية والتحول الرقمي، لم يعد الاستثمار في الطيران والفضاء مقتصراً على شراء الطائرات أو تطوير المطارات، بل أصبح استثماراً في المعرفة، والبحث العلمي والمهارات البشرية والتكنولوجيا.
وهنا تبرز فرصة حقيقية أمام مصر والكويت ودول الخليج والعالم العربي؛ فالمنطقة تمتلك الموقع الجغرافي والقدرات الاستثمارية والبنية التحتية والكفاءات البشرية التي تؤهلها لبناء شراكات أكثر تكاملاً في صناعات الطيران والفضاء.
لقد قدم معرض العلمين الدولي 2026 صورة لما يمكن أن تحققه المعارض الكبرى عندما تتحول إلى جسور للتعاون، وكان الحضور الكويتي مثالاً واضحاً على أهمية التواصل المصري–الكويتي في بناء فرص جديدة تتجاوز حدود المعرض.
فالعالم يتجه بسرعة نحو اقتصاد يقوم على المعرفة والتكنولوجيا، والمنطقة العربية تمتلك مقومات المشاركة في صناعة هذا المستقبل، لا مجرد استهلاك منتجاته.
ويبقى النجاح الحقيقي لمعرض بهذا الحجم لا في عدد الطائرات التي أقلعت في سماء العلمين، بل في عدد الأفكار والشراكات والاستثمارات التي يمكن أن تقلع بعد انتهائه.
بقلم: د. داليا البيلي
استشاري إدارة الجودة والتميز المؤسسي


