المقالات

عن المملكة العربية السعودية.. ودورها التاريخي

عشت في المملكة العربية السعودية ما يزيد على عشر سنوات خلال عملي أميناً عاماً لمجلس التعاون، ووقفت على المعاني السامية والمصيرية التي تخص المملكة، ليس فقط لأهلها ولملوكها ولجيرانها، وانما لكل ضرورات الأمن والاستقرار فيها وفي عالم العرب والاسلام، وأكثر من ذلك في جميع أطراف الكرة الارضية، فهي وأرضها وشعبها رصيد للأمن والاستقرار للمنطقة وللجوار وللبعيد من الدول، ولكل من يهمه العيش الكريم، في هذه الدنيا. هذه حقيقة أدركها الجميع ومن مختلف القارات، فهي ليست منبع الدين الاسلامي، وموقع المقدسات الاسلامية والقاعدة التي دونت تاريخ العرب، وإنما هي حامية المقدسات والواعية لمسؤولياتها في صونها، والمدركة لضخامة المسؤوليات التي تتحملها، ومتقبلة أثقال المأمورية التي كانت من نصيبها في الحفاظ على هذه المقدسات وصون فعاليتها وحمايتها من متاعب الزمن، مع تأمين جهوزيتها لاستقبال القادمين اليها من المسلمين، وغيرهم من مختلف القارات.

ولحسن حظ عالمنا الحالي تصاعد ثقة المسلمين وغيرهم في حنكة حكام المملكة العربية السعودية ووعيهم العالي للمعاني السامية التي تعبر عنها، ليس الأماكن المقدسة فقط، وإنما حقائق تاريخ الاسلام واتساع جغرافيته الممتده الى قارات تغطي آسيا وأفريقيا وأطراف أوروبا وإدامة فاعليتها واستمرار وجودها.

وشدني كثيراً جهوزية المملكة العربية السعودية لتحمل أعباء المسؤولية التاريخية التي فرضها الدين الاسلامي ومتطلباته في حماية وصون المقدسات وتجهيز وصول المسلمين من مختلف البلدان الى هذه البقع المقدسة وتأمين سلامتهم وتوفير راحتهم ومتطلبات وجودهم.

وقد تابعت خطوات الاعداد التي تقوم بها المملكة العربية السعودية لهذه المأمورية مع حرص شديد على تحقيق الكمال، ليس في الهمة فقط، وانما في الانجاز، وقد تمكنت الادارة السعودية في تحقيق كل ما يتطلبه المسلمون من حجاج بيت الله ومعتمرين ومن زوار، وجهزت الطرق المناسبة التي تؤدي الى هذه المقدسات وكذلك الفنادق وأماكن السكن والتسوّق وتوفير كل متطلبات الحياة، وقد رأيت تفرغ الأجهزة السعودية والمسؤولين فيها لهذه المهمة الدائمة، التي هدفها خدمة الزائر والحاج وتسهيل وصوله الى ما يريد، كما وضعت السلطة السعودية راحة الحاج والزائر كأولوية في سلسلة الواجبات التي تقوم بها.

ومع نجاح المملكة العربية السعودية وحكامها في الوفاء لكل ما يحلم به الحجاج وغيرهم وتصاعد حسن السمعة وارتفاع المكانة التي تشغلها المملكة العربية السعودية، ليس في عالم الاسلام فقط، وإنما في المجتمع العالمي، يتحرك الخصوم لتخريب سمعة هذا المقام العالي الذي تشغله المملكة العربية السعودية في جمال السلوك ونظافة التجهيز وتأمين سلامة العودة لكل من أتى ليزور ويتعبد.

أديت واجب الحج مرتين، مرة مع كبار المدعوين، فكانت تجربة عالية في الرضا وفي المتعة، وأخرى مع أصدقاء جمعنا الحرم وزيارة المدينة المنورة، وكانت مناسبة ما زالت تجمع من بقي من المجموعة في استذكار روعتها وجمالها.

تولى الملك فهد الحكم بعد وفاة الملك خالد، ولأنه متابع لمجلس التعاون فقد شارك في اجتماعات القمة لمجلس التعاون بمعية الملك خالد وكان مهتماً بالتفاصيل ويسعى لتصعيد الاهتمام بما يريده المجلس. كما واظبت على التواصل مع مكتب الملك لتأمين نقل مستجدات مجلس التعاون وكسب مساندة جلالته.

كان الملك فهد ملكاً وقائداً ومبادراً ومخلصاً لمعرفة التفاصيل حول مسيرة المجلس وينصح بالتمهل حول بعض المواقف ويسعى للتوافق الجماعي، تقديراً لظروف البعض، فلا داعي للاندفاع، والمهم وحدة الكلمة وصلابة المواقف.

كان ملوك المملكة العربية السعودية رجال دولة واعين لأحداث المنطقة ولواقع العالم، يسايرون التطور وينشدون فوائد الصداقة ويتابعون أحداث العالم واستخلاص العبر منها، ويحسنون فنون التفاهم مع المتغيرات دون اندفاع وبكل هدوء دون ضجيج مع فتح الابواب للكل، البعيد والقريب، العرب والمسلمون، وغيرهم، وبإحساس رجال دولة. برزت النخوة السعودية الأخوية مع كارثة غزو صدام حسين لدولة الكويت واعلان ضمها للعراق، ورغم فتح أبواب التهلكة لنظام صدام حسين، فالتاريخ سجل هذا الواقع القبيح، كما سجل فشلنا في عدم الحذر من جنونية صدام حسين وخطورته على واقع دولة الكويت. كانت صلابة الموقف السعودي وقيادة الملك فهد لمسار الصلابة السعودية في التزامها بتحرير الكويت مع التعبئة الكاملة وبكامل حجمها لتحقيق هذا الهدف. كنت قريباً من الملك فهد في تلك الفترة المؤلمة وكان يريد دائماً طمأنة الجالية الكويتية في الرياض ويكرر ضرورة أن أنقل للمواطنيين الكويتيين، بأن تاريخ العودة ليس بعيداً وأن الانتظار ضروري لاتمام جميع الترتيبات التي تؤمن التحرير.

كانت مرحلة تاريخية تستدعي التحضير الجيد والاعداد المؤهل ليؤدي الى نهاية سليمة لعملية تحرير الكويت، كما تستحضر القناعة المؤكدة في نجاح المهمة وأكثر من ذلك تقبل التضحيات مهما كان حجمها وإبراز الارادة النادرة من أجل ضمان النجاح.

أستذكر شريط التاريخ وما سجله عن دور الملك فهد في انطلاق مسار التحرير من قرار سعودي استحضر الدعم العالمي الجماعي للمشاركة في تعبئة تاريخية نادرة، ونظل نحن أهل الكويت نعتز ونثمن فاعلية الارادة السعودية في المواجهة وإعادة الكويت الى أهلها، كما تابعها وبكل الاعجاب جميع شعوب العالم وحكوماتهم، وسجل التاريخ بأن الشراكة السعودية الكويتية حققت وأبرزت إتمام التآخي واكتمال عمقه.

ونظل حاملين معنا وأجيالنا القادمة تمام الاعجاب بحجم الهمة وهيبة الارادة السعودية التي سهلت دروب تحرير الكويت واعادتها الى أهلها، وتبقى المملكة عموداً مؤثراً وثابتاً في تاريخ الكويت.

عبد الله بشارة

القبس 18 أكتوبر 2026

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى